مع استمرار عنف المستوطنين في الضفة الغربية دون مساءلة، يتوجب على بريطانيا أن تحاسب نفسها على الإرث الذي خلفته

النائب طاهر علي
30 أبريل 2026

إن التقرير الأخير الذي يفيد بأن إسرائيل لم تُجرِ أي ملاحقات قضائية بحق مرتكبي قتل المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة منذ بداية هذا العقد يُعد إدانة صارخة للعدالة والمساءلة وللنظام الدولي القائم على القواعد. ففي الشهر الماضي فقط، قُتل عشرة مدنيين فلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة على يد مستوطنين إسرائيليين وقوات الشرطة، من بينهم أم وأب وطفلاهما الصغيران، الذين أُطلق عليهم النار في الرأس أثناء عودتهم إلى المنزل من رحلة تسوق.

لكن ما يكشفه هذا التقرير ليس حادثة استثنائية، بل هو أحدث مظهر لنمط مألوف وعميق الضرر: عنف يُمارس ضد الشعب الفلسطيني من قبل قوة احتلال، يتبعه صمت وتأخير وغياب للمساءلة.

ولهذا النمط سابقة مقلقة في تجربة بريطانيا نفسها خلال احتلالها لفلسطين بين عامي 1918 و1948. وخلال الثورة العربية بين 1936 و1939، لم تكتفِ السلطات البريطانية بالرد على الاضطرابات، بل أنشأت إطاراً قانونياً وعسكرياً يُضفي الشرعية على العقاب الجماعي والاعتقال التعسفي واستخدام القوة القسرية، مع تقييد الوصول إلى المحاكم. وبذلك، لم يُستخدم القانون لكبح العنف، بل لتبريره. وكانت النتيجة نظامًا يسمح بارتكاب الانتهاكات والإفلات من العقاب، وهو ما يُشابه إلى حد كبير ما نشهده اليوم.

أحلك يوم

ومن أوضح وأبشع الأمثلة على ذلك، مجزرة البصة في سبتمبر/أيلول 1938، حيث توجد أدلة قوية على أن الجيش البريطاني ارتكب مجزرة بحق نحو 50 فلسطينياً من المسيحيين والمسلمين، وذلك انتقاماً من تفجير عبوة ناسفة على جانب الطريق. وتُعد هذه الحادثة من أكثر الوقائع فداحة والتي تم الكشف عنها من تلك الفترة.

ولهذا فإن حملة “”Britain Owes Palestine تأتي في وقت بالغ الأهمية. فقد قدمت الحملة، بالتعاون مع محامين في مجال حقوق الإنسان ومؤرخين، عريضة قانونية من 400 صفحة إلى الحكومة توثق أفعالاً يُزعم أنها غير قانونية وانتهاكات منهجية خلال تلك الفترة.

ولا تُعد هذه العريضة محاولة لتبادل الاتهامات التاريخية، بل هي قضية قانونية وأخلاقية معقدة تؤكد أن سلوك بريطانيا في فلسطين كان بحد ذاته مخالفًا للقانون، وأن إرث ذلك السلوك لا يزال يساهم في تشكيل ما يوصف بالإبادة وغيرها من انتهاكات القانون الدولي الجارية في غزة والضفة الغربية اليوم.

وتوضح العريضة كيف قامت بريطانيا باحتلال فلسطين، ودعمت وعد بلفور، وحرمت الأغلبية العربية الفلسطينية من الحكم الذاتي الفعلي، وساهمت في ترسيخ نظام سياسي أصبح فيه التغيير الديمغرافي والضبط القسري أمراً طبيعياً.

ثم تجادل بأن قوانين الطوارئ التي استخدمت لقمع الثورة العربية جعلت العنف والعقاب الجماعي “قانونيين” شكلاً، بينما سمحت في الوقت نفسه بوقوع الإكراه غير القانوني دون مساءلة عبر حرمان الأفراد من الوصول إلى المحاكم. وتصف العريضة ذلك بأنه “حكم بالقانون” وليس “حكم القانون”، وتقول إن النظام كان بمثابة حكم عسكري قانوني، حيث تتفوق القوة العسكرية على الحماية القانونية والرقابة القضائية.

وهذا ليس مجرد نقد تاريخي، فقد ساهمت أساليب بريطانيا في فلسطين في خلق إرث من العنف لم تقتصر آثاره على فترة الانتداب. إن أدوات القمع، مثل العقاب الجماعي، وهدم المنازل، وعمليات التفتيش العقابية، والتحقيق القسري، والإفلات من العقاب، صُنعت في بريطانيا، وتركت في فلسطين، ولا تزال مستخدمة حتى اليوم.

اعتذار رسمي

وبناءً على ذلك، تطالب الحملة الحكومة البريطانية بأكثر من مجرد تعبيرات عامة عن القلق. فهي تطالب بالبحث في الأرشيفات غير المنشورة، وتقديم رد علني كامل، والاعتراف بالأفعال غير المشروعة، وتقديم اعتذار رسمي في البرلمان، والنظر الجاد في التعويضات وأشكال أخرى من المساءلة. وهذه ليست خطوات رمزية، بل هي الحد الأدنى المطلوب من دولة تدّعي احترام القانون الدولي والشفافية والمساءلة التاريخية. ولطالما افتخرت بريطانيا بكونها أمة تُعلي من شأن العدالة وحقوق الإنسان والإنصاف، وهي المبادئ التي تُشكّل هويتنا اليوم. لذلك، فقد حان الوقت لأن نتمسك بهذه القيم، ونحترم مُثلنا الوطنية، ونعوّض عن أخطاء الماضي، حتى نتمكن من المضي قدمًا كدولة بنزاهة.

وقد انضممت مؤخراً إلى مجموعة عابرة للأحزاب تضم 45 نائباً وعضواً في مجلس اللوردات، ووقعت على رسالة مفتوحة تحث رئيس الوزراء على الرد على العريضة وتقديم اعتذار رسمي يعترف بالدور التاريخي لبريطانيا. وحتى بعد مرور ستة أشهر على تقديمها، لم تقدم الحكومة أي رد حتى الآن.

لا يمكن لبريطانيا أن تتحدث بشكل مقنع عن دعم القانون الدولي في الشرق الأوسط بينما ترفض في الوقت نفسه فحص دورها في تشكيل الظروف التي جعلت ذلك الانتهاك ممكناً. فإذا تم التساهل مع الإفلات من العقاب في الحاضر، فذلك لأنه تم تطبيعه في الماضي. وإذا كان التاريخ يعيد نفسه في الضفة الغربية، فإن على بريطانيا واجباً ليس فقط في الاعتراف بذلك، بل في تحمّل مسؤوليتها التاريخية في تسهيله.

إن السؤال ليس ما إذا كانت بريطانيا تتحمل مسؤولية عقود من العنف في فلسطين، بل ما إذا كانت ستعترف بذلك أخيراً.

 

  • ي.ك