إلى مروان الذي لا يغيب

 مروان البرغوثي عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح"
رائد الدبعي
14 أبريل 2026

حينما تتلعثم البلاغة، ويعجز الأفق عن الإحتواء، وترتبك اللغة أمام جلال الفعل وسمو الفاعل، وتتعثر الحروف على حافة الإنبهار المهيب، فنحن بحضرة المناضل مروان البرغوثي ” أبو القسام” ، مروان الذي نكاد نجزم أن محمود درويش عناه هو لا زهر اللوز حين قال: هو الشفيفُ كضحكةٍ مائيةٍ نبتت على الأغصان من خَفَر الندى، وهو الخفيفُ كجملةٍ بيضاء موسيقية، وهو الكثيف كبيت شِعرٍ لا يُدَوَّنُ بالحروف، ولوصفه تلزمنا زيارات إلى اللاوعي تهدينا إلى أسماء عاطفةٍ معلقةٍ على زيتون البلاد، ويلزمنا اختراقُ الجاذبية والكلام، لو نجحت الأبجدية في كتابة مقطعٍ في وصف مروان، لانحسر الضبابُ عن تلال فلسطين، وقال وطن بأسره: هذا هو، هذا نشيدنا الوطني، هذا نقاء الرغيف، ووجه القمر، هذا سيد الكلام والصمت، هذا البهي النقي، وهذا صوت شعب فلسطين المقاومة.

في الذكرى الرابعة والعشرين لأسرِك القسري في أقبية الفاشيين، ما زلت تملأ الغياب حضورًا، والظلمة بهاءً، كزهر اللوز بل أبهى؛ فأنت واللوز سليلان لربيعٍ واحد: هو ابنُ ربيع فلسطين، منغرسٌ في ترابها، في جبالها وسهولها وروابيها، وأنت ابنُ ربيع رجاءات شعبٍ بأسره، منغرسٌ في أفئدة الطيبين من أبناء شعبك العظيم بالقرى والمدن والمخيمات،  حاضرٌ في مرويات الأجداد، وفي سنابل القمح، وفي مآذن المساجد وتراتيل الكنائس، حاضرٌ في أعشاش القبرات، وكحل عيون الجميلات، ورزق الطيور، وزيتونةٍ مرابطة في ساحات الحرم الشريف، وضحكات الأطفال، ودمع الوداع على ثرى شهيدٍ نادى باسم الله ثم ارتحل،  حاضرٌ في ذاكرة جيلٍ يعاهدك على الحب والوفاء دون أن يراك،  فأي حضورٍ أبهى وأعظم من حضورٍ تفتّحت براعمه في تربة الوفاء، فأورق عشقًا سرمديًا لوطنٍ حرٍّ عزيزٍ أبيّ.

مرواننا، رايتنا السامقة، وروحنا الأبيّة، وصوتنا الجهير، ووعدنا المؤجل المتحقق؛ بقدر حبك لشعبك ولفلسطين، وبقدر نضالك الذي ما وهن، ولا حاد عن الطريق، وما لان، وما خبا، ناضلت ببراءة الأطفال، وثرت بوهج الشباب على أعداء الشمس والقمح والأحلام، وبرجاحة الحكماء واصلت المسير، معتصمًا بشعبك الذي آمنت به، فبادلك الحب كما يعشق الزيتون المطر، ويعشق الأطفال الفرح، فمروان وفلسطين كالكلمة والمعنى، كالصمت والبصيرة، كالأطفال والنقاء، كالشمس والصباح، وكحنين النهر إلى مجراه؛ كلٌّ منهما يكتمل بالآخر، ولا تمام للأول دون الثاني، لقد غدوت اسمًا من أسماء فلسطين الكبرى، كما السيد المسيح، وياسر عرفات، وشجرة الزيتون، والجمال، والفسيفساء، والحنطة، والحب، والأمل، والمقاومة، والثورة، والشعر، والحرية، على الرغم من أخاديد الزمن التي تخطّ ملامحها على محيّاك، فإنك تظلّ في وجدان شعبك زين الشباب وفارس المعنى والميادين، فمن كانت مهمته ترميم الروح لشعبٍ كامل، وصون الوعي، وحراسة ظلال اللوز وعبير الياسمين، يبقى متوهجًا نديًّا بهيًّا في شرفات الروح وأروقة الذاكرة.

ظنّ المحتلّون أن عزلك في عتمة الزنزانة لعقودٍ طوال سيقطعك عن وجدان شعبك، وذلك بعضُ عنصرية المحتلّ ووهمه القديم؛ أولئك الذين لم يتّعظوا بسير نلسون مانديلا وجميلة بوحيرد، وأحمد بن بلة، والعشرات من قادة حركات التحرر الوطني، الذين انتصروا على السجان، وأضحوا رمزا جماعيا لشعوبهم وللإنسانية جمعاء،  لكنهم أغفلوا الحقيقة الكبرى: أنك مروان، سليل التراب الفلسطيني، وسادن أحلام الشهداء، ولئن لم تكن وحدك، فإنك حتمًا أحد القلائل القابضين على جمر اليقين، ومن أهل الأجوبة الحاسمة، ومن النادرين الذين أسبغوا على النضال معنى الحنطة والبارود والقلم والوعي والرؤية والبصيرة، حتى غدوت من الفلسطينيين القلائل المقيمين في ما تبقّى من أرواحنا، باقٍ ببرهان الفعل، وهل من برهان أصدق من أربع وعشرين عامًا من الأسر المتصل، تضاف إليها سبع سنوات سابقة من الاعتقال، وسبع من النفي القسري عن فلسطين، وسنوات من المطاردة في الانتفاضتين، ومحاولات اغتيال متكررة، كأنك عشت لفلسطين، وبها، ومن أجلها، وأنت باقٍ بجلال المعنى ووهج العبارة، بدءًا من قولك: “إذا كان ثمن حرية شعبي فقدان حريتي، فأنا مستعد لدفع هذا الثمن”، ومرورًا بقولك: “الوحدة الوطنية هي قانون الانتصار لحركات التحرر وللشعوب المقهورة”، وحاضر في التفاصيل الكبرى للحركة الوطنية الفلسطينية، منذ وثيقة الأسرى عام 2006 التي أطلقتها مع إخوتك قادة الحركة الأسيرة، ولا تزال تمثل مسارًا ممكنًا للخروج من هذا الزمن الرديء، مرورًا برؤيتك المحكمة التي أطلقتها من زنزانتك قبل سنوات، والتي تشكل خارطة طريق رصينة وممكنة التحقّق لفلسطين وفتح، ومن الحكمة أن تُدرج في أدبيات المؤتمر الثامن للحركة، حتى تتداولها الكوادر نقاشًا وتمحيصًا، وأنت حاضر بوعيك لدورك قائدًا منتخبًا لشعبك مرتين، وعضوًا في اللجنة المركزية لحركتك، وحاضرٌ بإشعالك ثورة التعليم في السجون، إحدى أعظم ثورات الوعي في تاريخنا المعاصر، ثورة سلاحها الفكر، ووقودها المعرفة، حين ترجمت الشعار: “أرادوها قبورًا، فأحلناها قلاعًا للعلم والمعرفة والصمود”. فما من زنزانة مررت بها، أبا القسام، إلا وبدّلتَ عتمتها نورًا من المعرفة والصمود والوعي والمقاومة، وما أعظم سعادتنا حين نلتقي بأكاديمي أو باحث أو صاحب دراسات عليا، فيعرّف نفسه بكل فخر: “أنا خريج الدكتور أبو القسام”، كما يفعل خريجو أعرق الأكاديميات في العالم، وأنت حاضر كذلك في قيادتك لمعركة الكرامة إلى جانب إخوتك وأخواتك من مختلف الفصائل المقاومة، وفيما رفدت به المعرفة من كتب ودراسات رصينة، وفي مقدمتها: “ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي”، و”مقاومة الاعتقال”، وأطروحتك للدكتوراه: “الأداء التشريعي والرقابي والسياسي للمجلس التشريعي الفلسطيني (1996–2006)”.

أبا القسام، شاهدناك قلعةً عصيّةً وطودًا منيعًا في وجه عربدة سموتريتش، حين توهّم أن تقييد الجسد كفيلٌ بمصادرة المشهد، فإذا بالصورة تنحاز إليك لا إليه، ويقف الوطن في هيئة رجلٍ أمام عنصرية السجّان، رأيناك بهيًّا كورق الدفلى وعبير الياسمين، وشامخًا كالتين والزيتون، في مواجهة خصمٍ مرتعشٍ جبان، وقرأنا في عينيك ضوء القمر وعصف الريح، وعرفنا من إخوتك ما نالك من أذى بعد السابع من أكتوبر، وكيف ثبتَّ، وبذرت في دروب إخوتك بذور الأمل.

أبا القسام، لماذا أكتب لك وأنت تستقبل عامك الخامس والعشرين في أقبية الاحتلال؟ أأكتب لأذكّر جيلًا بتاريخ أبطاله؟ لا، فالأجيال جميعها تحفظ اسمك وتعرف نضالك كما يعرف النهر مجراه، أأكتب لنمنحك بعض حقك؟ لا، فالأحرار، مجازًا، لا يملكون أن يهبوا الأحرار حقًا ما ليس في أيديهم؛ فأنت وأسرانا وحدكم من منحتمونا القدرة على العودة إلى ذواتنا، وعلى الحب، والتذكّر، والأمل، بعد أن خِلنا أننا في زمنٍ يُبتلع فيه الأمل أقراصًا، ويُحقن فيه التذكّر إبرًا، لكنني  أكتب وفاءً لكل أسرانا المناضلين، الرازحين خلف القضبان، ولمن عانقوا الحرية مؤخرًا بعد أن أثقلهم الاحتلال بأحكامٍ تتجاوز خمسة عشر ألف عام، أكتب لمن يتصدرون مشهد الفعل، ويجسدون بعطائهم قداسة النضال، أكتب لإيماني اليقيني بأنك وعدنا الآتي، لجيلي ولأجيال أبنائنا على هذه الأرض، أكتب وأنا أعلم أن المحتل سيمنع سطوري من بلوغ ناظريك، لكنني أبصرك في عيون كل أبناء شعبنا في الوطن والشتات، ممن يقرؤون هذه السطور، ويمتلئون أملًا بأننا معك، وأن للحرية موعدًا لا يخلف.

 

  • صجيفة القدس
  • ي.ك