في هذه المقالة نناقش ممارسات المستوطنين في الضفة الغربية، ولماذا تصاعدت حدة العمل الإرهابي في المدة الأخيرة في شمال الضفة بدعم من التيارات اليمينية المتطرفة التي تتحكم في الحكومة الإسرائيلية التي تسعى إلى ضم الضفة وجعلها جزءًا لا يتجزأ من إسرائيل، فقد اتخذت الحكومة الإسرائيلية العديد من القرارات الداعمة للاستيطان والمستوطنين، بالإضافة إلى توفير الحماية والدعم المالي وتسليح مئات الآلاف منهم، وشرّعت لهم العشرات من البؤر الاستيطانية سواء الزراعية أو الرعوية التي تسيطر على مئات الآلاف من الدونمات، وأطلقت يدهم في الحرق والقتل والاعتداء وسرقة ممتلكات المواطنين وبالتحديد المواشي ونقلها إلى البؤر الاستيطانية على أعين المواطنين، حيث أصبح عند المستوطنين ثلث أغنام المواطنين بعد سرقتهم.
فالمستوطنون يقومون بعمل دولة بجيشها من خلال ترحيل جميع الخرب البدوية في مناطق “ج”، وكل ذلك يهدف إلى السيطرة الكاملة على الأرض حيث يسعى المستوطنون إلى انتزاع الأراضي الفلسطينية بشكل ممنهج، وضم أجزاء واسعة من الضفة التي يطلقون عليها توراتياً “يهودا والسامرة”، من أجل تحويلها إلى مستوطنات إسرائيلية دائمة، والعمل على تنفيذ سياسة التهجير القسري للفلسطينيين من خلال تصاعد اعتداءاتهم، التي تصل لحد “الحرب الصامتة”، وخلق حياة لا تطاق ولا تحتمل وفرض حرب نفسية وخوف دائم وفقدان الأمان، مما أجبر ويجبر الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم وقراهم في المناطق المصنفة “ج”، والتي شملت سياسة جديدة ونهج جديد من قبل المستوطنين الذين يعملون ليلًا ونهارًا على توسيع الاستيطان وبناء العديد من البؤر الاستيطانية العشوائية التي بلغ عددها حوالي 300 بؤرة، منها رعوية وزراعية للاستيلاء على أكبر قدر من الأراضي والجبال، وهذه البؤر تتيح المجال أمام مستوطن واحد للسيطرة على مساحة أكثر من عشر مستوطنات لوحده، فأينما يصل يسيطر كما هو حاصل في شمال الضفة في أراضي برقة وسيلة الظهر وبيت أمرين والفندقومية وجبع لفرض طوق محكم على القرى الفلسطينية وتمزيق التواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية المستقبلية.
والنهج الثاني والمتمثل في السيطرة على جميع الموارد الطبيعية، خاصة الأراضي الزراعية التي تعد مصدر رزق للفلسطينيين وبالتحديد في منطقة الأغوار “طوباس” التي تعد السلة الغذائية للشعب الفلسطيني، والسهول من أجل زراعتها ورعي المواشي بها من قبل المستوطنين كما يحصل في بيت دجن وبيت فوريك وسهل برقة ورامين وغيرها من السهول والمناطق الجبلية في الضفة، وبالتحديد التركيز في المدة الأخيرة على جبال الشمال، ومصادر المياه الينابيع والآبار وهذا ما حصل في منطقة الأغوار وطوباس حيث زار هذه المنطقة قبل أشهر وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، وقال تم الاستيلاء على مصادر المياه في الأغوار وسيتم مصادرة باقي الينابيع.
والنهج الثالث يتحدد فيما يسمى بالعامل الديني “التوراة” والدافع الأيديولوجي حيث يدعي القادة الإسرائيليين والمستوطنين أن الضفة الغربية هي أرض توراتية “وعد الله بها شعب إسرائيل”، وأن وجودهم فيها هو تحقيق نبوءة دينية، وليس مجرد استيطان، وهذا الادعاء دافع أساسي وراء الاستيلاء على الضفة الغربية وهذا الدافع مشترك ما بين قادة الحكومة والمستوطنين وهذا ما يفسر الدعم اللامحدود للمستوطنين من قبل الحكومة والجيش وكل مكونات دولة الاحتلال، فالجميع يعمل تجاه دعم الضم والسيطرة على الضفة الغربية.
أما النهج الرابع والذي يتجسد في العامل الاقتصادي الذي يمنح المستوطنين امتيازات هائلة وتسهيلات كبيرة جدًا ودعمًا ماليًا لا مثيل له في العالم، حيث يتم توفير السكن في المستوطنات بتكاليف معيشة شبه مجانية ومزايا اقتصادية وسكنية مقارنة بالعيش داخل إسرائيل، وتعمل الحكومة على تسهيل وتحقيق مطالب المجلس الاستيطاني في الضفة، كما تقوم بتوفير الحماية لهم وتسليحهم ومد شبكات الطرق والمياه والكهرباء ومن ثم تشريع هذه البؤر الاستيطانية التي تسمى عشوائية، ولم تحاسبهم إسرائيل على الاعتداءات التي يقومون بها ضد الفلسطينيين، فقد وصل الحد في الجيش نفسه في القيام بسرقة المواشي والأبقار والأغنام من الفلسطينيين وتسليمها للمستوطنين. لقد وثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تصعيداً ميدانياً غير مسبوق بآلاف الاعتداءات منذ أكتوبر 2023، شملت حرق منازل، ومركبات، واعتداءات جسدية، ووصل الحد إلى قتل 43مواطن فلسطيني على يد المستوطنين وجرح المئات بهدف تحقيق هذا المشروع الاستيطاني التوراتي الشامل.
حيث يسعى المستوطنون لبسط السيادة والضم الفعلي للضفة بدعم من الحكومة الإسرائيلية التي عملت ومازالت تعمل يوميًا على سن القوانين التي يقرّها الكنيست، وتشمل قرارات شرعنة البؤر الاستيطانية وتحويلها إلى مستوطنات كما حصل في نهاية السنة الماضية وبداية هذه السنة من خلال شرعنة أكثر من عشرين بؤرة استيطانية وتحويلها إلى مستوطنات، بالإضافة إلى قرار إلغاء فك الارتباط الذي حصل عام 2005 في تفكيك خمس مستوطنات وتم اتخاذ قرار بي العودة لهذه المستوطنات، وتم العودة فعليا لها بزيادة حجم مستوطنة حومش عشرين مرة عن حجمها الجغرافي سابقًا وتم مصادرة الآلاف من الدونمات لشق الطرق لهذه المستوطنات ما بين نابلس وجنين.
والنهج الخامس وهو الذي ينفذ من قبل دولة الاحتلال ودولة المستوطنين حتى وصل لحد حرب إبادة الزيتون، في الماضي قام المستوطنون بقطع أشجار الزيتون بجانب المستوطنات، ولكن اليوم يقومون بقطع أشجار الزيتون في كل مكان حتى في مناطق “أ”، وتنفذ الحكومة الإسرائيلية هذه الفترة حربًا واضحة ضد شجرة الزيتون المعمرة التي يفوق عمرها عمر دولة الاحتلال، حيث تقوم بتجريف أشجار الزيتون على جميع الطرقات العامة وهدم المنشآت الحيوية على جانبي الطرق، وتنفذ أكبر عملية هدم للبيوت في منطقة “ج” وفي أطراف منطقة “ب”، وتسيطر على المناطق الأثرية والسياحية كما حصل في سبسطية والمسعودية وغيرها، مما يضرب الاقتصاد الفلسطيني ويقطع رزق المواطنين ويحاصر الشعب الفلسطيني لدفعه للهجرة من الريف الفلسطيني إلى المدن، خاصة من المناطق المصنفة “ج”، و “ب”، والتي تقدر مساحتها 81% من مساحة الضفة الغربية وحتى وصل الحد في المستوطنين في شمال الضفة بوضع البؤر الاستيطانية في منطق “أ” وفقًا لصحيفة “هآرتس” العبرية مستوطنون قاموا بإنشاء ثلاث مستوطنات بؤر استيطانية جديدة في قلب المناطق “أ” للمرة الأولى بالضفة الغربية الممنوع دخول الإسرائيليين لها خلال الـ24 ساعة الماضية في 26آذار/مارس 2026، بالإضافة إلى مستوطنة واحدة في منطقة “ب” وأخرى في منطقة “ج”، وهذا يؤدي إلى توسيع المستوطنات لتشمل جميع التصنيفات التي نصت عليها اتفاقية أوسلو سنة 1993، وكل ذلك يقف خلفه الارتباط الديني حيث يرى المستوطنون أن الضفة الغربية هي “أرض الأجداد” “يهودا والسامرة” التوراتية، ويعتبرون الاستيطان فيها واجباً دينياً لاستعادة السيطرة على الضفة، وقد شهد بداية هذه السنة وبالتحديد شهر آذار/ مارس تصعيداً حاداً في هذه الممارسات والاعتداءات والتحركات للمستوطنين والحكومة الاستيطانية، لفرض سياسة الأمر الواقع على الأرض في الضفة.
والنهج السادس، وهو نهج مشترك بين كل من الحكومة والجيش والمستوطنين والذي يتجسد في استهداف المواطنين من خلال إغلاق القرى والمدن بالبوابات الحديدية والحواجز الثابتة والمتحركة وانتشار المستوطنين المحميين من قبل الجيش الذين يمنعون المواطنين من المرور ويعتدون على المواطنين ويحرقون سياراتهم، هذا نهج مخطط وممنهج للضغط على الشعب الفلسطيني للنزوح ومن ثم الهجرة من الضفة الغربية.
في النهاية، كل ما يحصل في الضفة الغربية بسبب الحكومة الإسرائيلية التي تشرّع وتسن القوانين التي تخدم الاستيطان والمستوطنين، وممارسات جيشها التي وصلت حد الإرهاب ابتداء من الاعتقال والهدم وإبادة الزيتون ومرورًا في القتل وانتهاء بحماية المستوطنين وتسليحهم، وما يقوم به المستوطنون من إجرام منظم وممنهج في الضفة والذي سوف يتصاعد وقد يصل لحد ارتكاب مجازر في القرى الفلسطينية بظل الفرصة المتاحة أمامهم في خلق واقع إرهابي هدفه دفع الشعب الفلسطيني على النزوح إلى مراكز المدن والبلدات وعدم الوصول إلى الأراضي، ومن ثم تحقيق الهدف النهائي والمتمثل في تهجير الشعب الفلسطيني للخارج وبسط السيادة على الضفة وصولًا للضم الفعلي الذي تبقى منه فقط الإعلان الإعلامي الرسمي من قبل إسرائيل بأنها أتمت عملية الضم للضفة، وهذا ما عبر عنه الصحفي والمحلل السياسي اليميني المتطرف شمعون ريكلين في 29آذار/مارس 2026، حيث قال عن عنف المستوطنين”: “النبي؛ يهوشع بن نون أرسل رسائل لسكان الأرض وقال لهم: شعب إسرائيل يصل إلى ميراثه، لديهم خياران – إما أن يقبلوا أن هذه أرضهم، أو يرحلوا من هنا، سكان الأرض الحاليون لا يقبلون حقيقة أن هذه أرضنا – لماذا لا يطردونهم؟ كل الاحترام لشباب التلال”.
- صحيفة القدس
- ي.ك




