أفادت حركة “السلام الآن” الإسرائيلية أن المستوطنين أقاموا خلال العامين ونصف العام الماضيين ما لا يقل عن 21 بؤرة استيطانية في مناطق “ب” بالضفة الغربية، مشيرة إلى أن هذه البؤر لا تقتصر على وجود مؤقت، بل تتزايد وتتوسع وتتحول تدريجيًا إلى مواقع استيطانية مستقرة، رغم مزاعم جهات في الحكومة وجيش الاحتلال، بين حين وآخر، أنها “تعمل على إخلائها”.
وأوضحت الحركة أن بعض هذه البؤر باتت تضم عائلات وأطفالًا، فيما أُقيمت في بعضها مبانٍ دائمة وكنس، وفي إحدى الحالات وُضعت عربة لبيع القهوة لخدمة الأعداد الكبيرة من الزوار الذين يتوافدون إلى الموقع.
وبعد نحو عام ونصف العام من كشف “السلام الآن” للمرة الأولى عن إقامة بؤر استيطانية جديدة داخل مناطق “ب”، تؤكد المعطيات أن الظاهرة لم تتراجع، بل اتسعت وترسخت. فالبؤر التي أُقيمت خلال عام 2024 ما زالت قائمة، وقد أضيفت إليها مبانٍ جديدة وانتقلت إليها عائلات، بالتزامن مع إقامة بؤر أخرى في مواقع مختلفة.
من سبع بؤر إلى أكثر من 20
في نهاية عام 2024، وثّق فريق مراقبة الاستيطان في “السلام الآن” إقامة سبع بؤر استيطانية جديدة داخل مناطق “ب”، للمرة الأولى منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، التي تنص على على خضوع مناطق “ب” للسيطرة المدنية الفلسطينية، بما يشمل صلاحيات التخطيط والبناء.
ومنذ ذلك الحين، توسعت بعض هذه البؤر وأُقيمت بؤر إضافية، إذ أقيمت خمس بؤر على الأقل في منطقة “المحمية الاتفاقية” الواقعة شرق وجنوب بيت لحم، وهي منطقة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى بؤرة مواجهة بين الحكومة والمستوطنين من جهة، والوجود الفلسطيني من جهة أخرى.
كما أُقيمت بؤر أخرى في مناطق رام الله وجنوب الخليل ونابلس، إضافة إلى مناطق تقع شرق بيت لحم والخليل.
وعادة ما تبدأ إقامة البؤرة بنصب خيمة وإنشاء حظيرة للأغنام، قبل أن ينتقل المستوطنون إلى إقامة مبانٍ ثابتة، تشمل أعمال صب خرسانية وإنشاء كنس، وفي إحدى الحالات جرى وضع عربة لبيع القهوة لخدمة الزوار
وكما هو الحال في بؤر استيطانية أخرى في الضفة الغربية، فإن وجود عدد محدود من العائلات يكفي، وفق الحركة، للسيطرة الفعلية على مساحات واسعة من أراضي الرعي ومنع الفلسطينيين من الوصول إليها.
وقالت “السلام الآن” إن إقامة البؤر الاستيطانية في قلب مناطق “ب” تكشف عن توجهات الحكومة الإسرائيلية نحو الضم وإضعاف السلطة الفلسطينية، مشيرة إلى أنه بالتوازي مع السيطرة واسعة النطاق على مناطق “ج”، تسمح الحكومة للمستوطنين بتوسيع نطاق السيطرة إلى المناطق التي أُسندت السيطرة المدنية عليها إلى الفلسطينيين بموجب اتفاقيات أوسلو.
وأضافت الحركة أن استمرار توسع هذه البؤر رغم تصريح رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو”بضرورة إخلائها” يعني، عمليًا، أن “إسرائيل” تنتهك الاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها، وتخلق مستوى غير مسبوق من التوتر مع الفلسطينيين.
طمس الفاصل بين مناطق “ج” ومناطق “ب”
تشير “السلام الآن” إلى أنه قبل الحكومة الإسرائيلية الحالية، لم تكن هناك بؤر استيطانية أُقيمت داخل مناطق “ب” بصورة مباشرة. وخلال السنوات السابقة، أقام المستوطنون ما لا يقل عن ثلاث بؤر تجاوزت إلى مناطق “ب”، لكنها كانت قد بدأت داخل مناطق “ج”.
ومن بين هذه البؤر “كومي أوري” قرب مستوطنة يتسهار جنوب نابلس، و”معاليه رحبعام” شرق بيت لحم، و”حفات جلعاد” غرب نابلس. وفي جميع هذه الحالات، هدمت الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال المباني التي امتدت إلى داخل مناطق “ب”، وفي بعض الحالات جاء ذلك بعد معارك وإجراءات قضائية.
أما البؤر التي أُقيمت خلال السنوات الأخيرة، فتختلف عن تلك الحالات السابقة، إذ يقع عدد كبير منها في عمق مناطق “ب”، وبعضها بمحاذاة مناطق “أ”. كما تسيطر هذه البؤر على مساحات واسعة من الأراضي وتحول دون وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم.
وفي بعض الحالات، مثل البؤرة المقامة قرب بلدة بيت إيلو، استولى المستوطنون على مبانٍ فلسطينية واستخدموها جزءًا من البؤرة الاستيطانية.
وتأتي إقامة هذه البؤر في سياق سلسلة من قرارات الحكومة الإسرائيلية المتعلقة بآليات إنفاذ القانون وتوسيع تدخل الإدارة المدنية في مناطق “أ” و”ب”.
وبالتزامن مع إقامة البؤر الاستيطانية، بدأت الحكومة الإسرائيلية أيضًا اتخاذ إجراءات ضد البناء الفلسطيني في مناطق “ب”. ففي تموز/يوليو 2024، مُنحت الإدارة المدنية صلاحية هدم مبانٍ فلسطينية في مناطق “المحمية الاتفاقية”، وهي صلاحية كانت، بموجب اتفاقيات أوسلو، من اختصاص السلطة الفلسطينية.
وفي مرحلة لاحقة، قرر المجلس الوزاري السياسي والأمني “الكابينيت” أن تعمل أجهزة الإنفاذ التابعة للإدارة المدنية داخل مناطق “أ” و”ب” في قضايا تتعلق بالبيئة والآثار والمياه.
كما شهدت الفترة الأخيرة تزايدًا في حالات مصادرة شاحنات نفايات فلسطينية داخل مناطق “ب”، بذريعة نقلها النفايات إلى مواقع غير مرخصة، حتى عندما تكون هذه المواقع داخل مناطق “ب”.
وسُجلت، من بين الحالات التي أُبلغ عنها، مصادرة شاحنات نفايات في بيت فوريك وبيتلّو وقريوت وسلواد وتلفيت وقُصرة وبيت عنان ودومة.
وتندرج إقامة البؤر الاستيطانية وتوسيع صلاحيات الإنفاذ الإسرائيلية داخل مناطق “ب” ضمن توجه أوسع نحو طمس الفاصل بين مناطق “ج” ومناطق “ب”، وتقويض جزء أساسي من الترتيبات التي نصت عليها اتفاقيات أوسلو.
وتظهر إحدى حالات المصادرة المسجلة في 28 نيسان/أبريل 2026، عندما صودرت شاحنة نفايات فلسطينية بذريعة الاشتباه في “إلقاء النفايات في منطقة ب من دون تصريح”.
تهجير متصاعد
وثق فريق مراقبة الاستيطان في “السلام الآن” عشرات المباني والمجمعات السكنية الفلسطينية التي هُجرت في المناطق التي أُقيمت فيها البؤر، نتيجة عنف المستوطنين والضغوط المستمرة التي تعرض لها السكان.
وفي بعض الحالات، انتقل مستوطنون للسكن في المنازل الفلسطينية التي هجرها أصحابها.
كما أن إقامة البؤر الجديدة لا تقتصر على وضع الكرفانات، وإنما ترافقها أعمال شق طرق جديدة، ورعي قطعان المستوطنين، والسيطرة على مصادر المياه، ودفع التجمعات الرعوية الفلسطينية إلى مغادرة مناطق واسعة كانت تستخدمها للسكن والرعي.
وبذلك، تقول “السلام الآن”، تتحول البؤر التي بدأت في كثير من الحالات بخيمة أو حظيرة إلى نقاط استيطانية تفرض واقعًا ميدانيًا جديدًا داخل مناطق “ب”، بالتوازي مع توسع صلاحيات “إسرائيل” في هذه المناطق وتراجع مكانة الترتيبات التي نصت عليها اتفاقيات أوسلو.
المصدر: ألترا فلسطين
ي.ك

