تمر الأراضي الفلسطينية المحتلة بواحدة من أكثر المراحل تعقيدا وأشدها خطورة على الإطلاق أزمات متلاحقة متفاقمة تعصف بوضع متآكل يراه البعض بل أوساط واسعة يقترب من السقوط فهناك شبه انهيار في الوضع الاقتصادي وتردي للأوضاع المعيشية وارتفاع في معدلات البطالة والحالة الاجتماعية يترافق ذلك مع انقسامات سياسية حادة بحيث باتت جهات وازنة تطرح إعادة تعريف المشروع الوطني الجامع! وماهي الأسس التي يقوم عليها؟ وما هو المقبول أو ما يمكن تحقيقه في ظل تغول الاستيطان واعتداءات المستوطنين، وهدم البيوت في استباحة كاملة شاملة للأراضي الفلسطينية والإرياف والبلدات تحديدا فلم تعد تقسيمات مناطق أ و ب و ج ذات أي مدلول بالمعنى السياسي من وجهة نظر الاحتلال، فيما (دولة المستوطنين) في الضفة الغربية تضرب عبر جيشها من مليشيات المستوطنين المسلحة بعشرات الآلاف تدريبا وإعدادا وتمويلا وتوفير الحماية لهم من حكومة الاحتلال بقرار من اعلى المستويات مدهم بكل المقومات قرار يتعدى رعي الأغنام وإطلاقها في محيط وبين بيوت المواطنين فكل ما يجري هو ضمن فرض واقع مختلف تماما عما جرى في السابق.
الصورة قاتمة تبعث على التشاؤم ويكاد بصيص الأمل يتلاشى فهل انتهى كل شيء حقا! هل بتنا أمام وضع يصعب تغييره؟ وهل حالة العجز التي نعيش اليوم ستشهد المزيد من التدهور لما هو اكثر خطورة فالاحتلال والحالة هذه يكشف علنا وجهارا نهارا عن مشاريعه ترحيل قسري أو طوعي تفريغ الأرض من أصحابها حتى بواكير الدعاية الانتخابية للانتخابات القادمة للاحتلال تجمع أقطاب القوائم المتنافسة فيما بينها على رفض الدولة الفلسطينية وتتبنى مخطط الضم والاستيلاء على الأرض وإجراءات هدفها تكريس حالة الانفصال السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة بموازاة كل ذلك سرقة “المقاصة” وقطع الرواتب وخنق مقومات الحد الأدنى للبقاء هذه التوصيفات في قراءة الحالة الراهنة تلقى إجماع كامل مع استمرار المخاوف في استمرار تآكل الأطر والمرجعيات وغياب الحوار الجدي بالرغم من اعتبار العام الجاري عام الانتخابات والتحضير لانتخابات المجلس الوطني المقررة نهايته كل ذلك وغيره الكثير يدركه الكل الوطني بل يتم استعراضه دوما من فصول تختلط فيها الأمور والأوراق ويغيب الموقف الوطني الذي لطالما شكل بوصلة أو “مدماك” للبناء عليه في تعبئة الشارع وحشد الإمكانات لمواجهة الأخطار تتجلى مظاهره الأشد أن الشارع اليوم دون حماية ودون غطاء ودون حتى تقديم ادنى مقومات سبل البقاء والصمود الذي يتحدث عنه الجميع دون أي خطوات أو برنامج أو فهم مشترك متوافق عليه.
رغم كل ذلك علينا أن لا نفقد الأمل وغير مسموح التراجع وتصدع الوضع لتحقيق هدف الاحتلال ومستوطنيه الذين يعيثون خرابا رغم ما يجري لننظر لبقعة الضوء في بحر السواد الممتد في تفاصيل حياتنا مخيما على مشهد دام هناك امل دوما فمن يتابع ما يجري مثلا في الريف الشرقي لرام الله وهي من اكثر المناطق عرضة للاستهداف اليومي من المستوطنين وانتهاكات الاحتلال أضافت تجربة الهبات(الفزعات) عند قيام المستوطنين بمهاجمة هذه القرى صورة التلاحم والتكاتف بين جميع الأهالي صغارا وكبارا أيضا هناك لجان الحراسة والحماية الشعبية التي تعمل بشكل طوعي ويتكاتف الأهالي لتوفير الإمكانات لها وهي فاعلة ونشطة حال دورها المشهود له دون وقوع عدة حوادث مميتة بعد إيقاظ الناس، مثال آخر حالة اللحمة التي شهدتها بلدة سنجل الى الشمال من رام الله القرية المستهدفة بالاستيطان واستطاع الأهالي جمع مبلغ 370 الف شيكل خلال ساعات بعد فتح باب التبرع لمساعدة المزارعين الذين تعرضوا لهجمات المستوطنين وسرقة مواشيهم تعويضا من البلدة وأسنادا لصمودهم ضمن حملة (وقفة عز سنجل لا تنكسر) التبرعات أيضا في العديد من القرى والبلدات التي ذاقت ويلات الاعتداءات المتصاعدة لقطعان المستوطنين في ريف نابلس لإسنادها شعبيا، وتقديم الأسلاك الشائكة لحماية الأراضي المهددة بالمصادرة وتوزيع الأشتال والمساعدات في العديد من قرى سلفيت، والمساعدات الطارئة في مسافر يطا هناك حراك يجري وهناك فعل حتى لو لم يعلن عنه رسميا توحي بان الحس الجمعي موجود وبقوة وحاضر رغم ممارسات الاحتلال الوحشية.
هناك أوضاع قاسية ومثيرة للجدل هذا صحيح فالسرقة ليست فقط للمواشي بل للمستقبل والوجود في هذه البلاد وطالما هي كذلك بالإمكان للوقوف مع الناس والقرى المستهدفة أن تشد من ازر المزارعين، وان تعطي من المعاني الكبيرة أمام ما يجري لرفع المعنويات نبقى على ضوء ما بإمكانه أن يعزز بقاء عائلة أو تجمع بدوي رغم الحاجة للمزيد من الإمكانيات ومد هذه القرى والبلدات والمخيمات بمقومات الصمود فهم لا يحتاجون منا للمزيد من الشعارات والخطب الرنانة بل بحاجة الى ما يجعل وجودهم فوق الأرض اكثر رسوخا وهو واجب بسيط للغاية يجب أن تعبر عنه كل التحركات وان تلتقي فيه الطاقات الرسمية رغم قلتها والأهلية بما هو متوفر ومتاح، والقطاع الخاص بكل ما يملكه من موارد ضخمة فالوجود على الأرض اليوم هو عنوان حياة في مواجهة مخطط التهجير والتطهير العرقي.
الموقف السياسي رغم ترنح الحالة بالإمكان تمتينه وتقويته وان تساعد المبادرات الشعبية كما في دير أبو مشعل والخضر ومسافر يطا وقرى الأغوار، وطوباس وطبعا الخان الأحمر والتجمعات البدوية التي تحمي مناطق شرق القدس من مخطط E (1) وصولا لمسافر يطا والجنوب وفرض الوقائع على الأرض الصورة ليست سوداء للدرجة التي لم يعد بأيدينا(حيلة) على العكس اليوم الاحتلال صورته في الإقليم والعالم تضررت كثيرا على قائمة العار السوداء لم تعد (إسرائيل) القوة العسكرية المهيمنة في المنطقة هناك متغيرات وتحولات كبيرة جرت وتجري علينا الاستفادة منها وفتح نافذة للاختراق يأتي من خلال موقف فلسطيني صلب متماسك وقوي يعيد التأكيد على التمسك بالحقوق المشروعة، الساحة الداخلية بإمكانها رد الاعتداء بالإمكانات الشعبية المتاحة رغم قلتها وحالة الإحباط واليأس الموجودة ليست قدرا فالمبادرات الشعبية في الأرياف اليوم..
- ي.ك




