اتساع الإضرابات النقابية.. واتهامات للحكومة بـ”ازدواجية المعايير” في صرف الحقوق المالية

صرف دفعة مالية جديدة لمساعدة عمال غزة الموجودين في المحافظات الشمالية
12 مايو 2026
(شباب اف ام) -

بدأت رقعة الإضرابات والاحتجاجات تتسع في الضفة الغربية، بعدما دخلت نقابات مهنية وقطاعات متعددة في مواجهة مفتوحة مع الحكومة على خلفية أزمة الرواتب والمستحقات المالية، وسط اتهامات للحكومة باتباع “سياسة تمييز” في صرف الحقوق المالية لبعض الفئات دون غيرها، الأمر الذي فجّر حالة غضب واسعة بين الموظفين العموميين والعاملين في القطاعات الحيوية، لا سيما الصحة والهندسة والتعليم والخدمة المدنية.

مع اتساع رقعة الإضرابات، تبدو الحكومة أمام اختبار صعب بين محدودية الإمكانيات المالية من جهة، وتصاعد الضغوط النقابية والشعبية من جهة أخرى، فيما يُخشى من أن يقود التصعيد إلى شلل أوسع في الخدمات العامة.

وخلال الأيام الأخيرة، أعلنت نقابات الأطباء والمهندسين وموظفي القطاع العام، إلى جانب نقابات صحية أخرى، عن خطوات تصعيدية شملت الإضراب الشامل، وتعليق الدوام، وتقليص الخدمات، وذلك بعد تصاعد الجدل حول صرف مستحقات مالية للقضاة وفئات محددة، في وقت ما يزال فيه آلاف الموظفين يتقاضون أجزاءً من رواتبهم منذ سنوات.

وقال نقيب الأطباء صلاح الهشلمون، في تعقيب خاص لـ”الترا فلسطين”، إن اجتماعًا عُقد اليوم في مقر نقابة الأطباء، ضمّ ممثلين عن عدد من النقابات، بحضور جهات وسيطة، لبحث مخارج للأزمة ومحاولة نقل رؤية النقابات إلى الحكومة.

وأوضح الهشلمون أن النقابات قدمت تصورًا “منطقيًا وقابلًا للتنفيذ” للخروج من الأزمة، يقوم على مبدأ “استمرارية تقديم الخدمة بشكل كامل مقابل التزام مالي من الحكومة يمنح الموظف القدرة على العمل بأريحية وكرامة”.

وأضاف أن النقابات لم تتمسك بالضرورة بصرف راتب كامل فورًا، رغم أن مطلبها الأساسي المعلن هو “راتب كامل مقابل دوام كامل”، موضحًا أن الطرح الذي قُدم للحكومة قد يتضمن راتبًا أقل قليلًا إذا كان ذلك يشكل مدخلًا للحل.

وأشار إلى أن الحكومة تمر بالفعل بأزمة مالية حادة، لكن إدارة الأزمة، بحسب وصفه، يجب أن تكون”أخف وطأة على المواطن والموظف والمريض”، مؤكدًا أن استمرار الوضع الحالي لم يعد ممكنًا.

وحول أسباب التصعيد المفاجئ خلال اليومين الماضيين، قال الهشلمون إن “الكيل بمكيالين مرفوض جملة وتفصيلًا”، مضيفًا أن ما جرى من صرف لمستحقات لفئات محددة خلق حالة واسعة من عدم الرضا بين الموظفين والنقابات.

وأكد أن الحكومة اعترفت بوجود خطأ في هذا الملف، معتبرًا أن شعور الموظفين بغياب العدالة في توزيع الأعباء كان الشرارة الأساسية التي دفعت النقابات إلى التصعيد.

وفي السياق ذاته، اعتبر مستشار الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة “أمان”، عزمي الشعيبي، أن الأزمة المالية التي تعيشها السلطة الفلسطينية لا تتيح حلولًا قادرة على تلبية احتياجات جميع الأطراف بشكل كامل، إلا أن المخرج الأساسي يكمن، وفق قوله، في “العدالة في توزيع الأعباء”.

وقال الشعيبي، في حوار مع “الترا فلسطين”، إن من كانوا يحصلون سابقًا على حقوقهم كاملة يُفترض أن يتحملوا اليوم جزءًا من العبء مع بقية الموظفين، مضيفًا أن الأولوية يجب أن تُعطى للفئات الأضعف والأكثر تضررًا.

وشدد على أن فكرة العدالة تصبح بلا معنى حين يتم استثناء بعض المؤسسات أو الفئات من سياسة التقشف، قائلًا إن هناك مؤسسات رسمية تتمتع باستقلال مالي وإداري، لكنها تبقى مؤسسات عامة، ويجب أن تخضع للسياسات ذاتها المطبقة على موظفي الخدمة المدنية.

وأشار إلى مؤسسات مثل سلطة النقد، وهيئات تنظيم الكهرباء والمياه والاتصالات، ومكتب الرئيس، إلى جانب مؤسسات أخرى “غير وزارية”، معتبرًا أن أي فائض مالي لديها يجب أن يوجَّه إما لدعم الخزينة العامة أو لتحسين الخدمات المقدمة للموظفين.

واستبعد الشعيبي أن تكون التحركات النقابية مرتبطة بمؤتمر حركة فتح الثامن أو بحسابات سياسية، مؤكدًا أن “الظرف موضوعي”، وأن الدافع الحقيقي للاحتجاجات هو شعور الموظفين بالضغط الاقتصادي مقابل وجود فئات “مستثناة” من تحمل الأعباء.

وأضاف أن الناس تتحرك عندما تشعر بانعدام العدالة، قائلًا: “فكرة عدم العدالة هي التي تحرك الناس”.

ورأى أن ما جرى من صرف مستحقات للقضاة لم يكن السبب الوحيد للأزمة، بل كشف جانبًا من واقع أوسع، معتبرًا أن هناك مؤسسات أخرى ما تزال تدفع رواتب كاملة رغم الأزمة، الأمر الذي يعمق حالة الاحتقان.

ويأتي هذا التصعيد في وقت أعلنت فيه نقابة الأطباء سلسلة إجراءات نقابية واسعة، كان أبرزها إغلاق مراكز الرعاية الصحية الأولية بشكل كامل، وتقليص العمل في المستشفيات الحكومية إلى الحد الأدنى واقتصاره على إنقاذ الحياة والحالات الطارئة.

كما قررت النقابة عدم توجه الأطباء العاملين في مباني وزارة الصحة في رام الله ونابلس إلى أماكن عملهم، وعدم المشاركة في اللجان والأنشطة الوزارية، إضافة إلى التحضير لاعتصام مركزي أمام مقر رئاسة الوزراء خلال الفترة المقبلة.

وأكدت النقابة، في بيانها، أن الحكومة تتحمل المسؤولية الكاملة عن “التدهور الخطير الذي يهدد حياة المرضى وسلامة الخدمات الطبية”، مشددة على أن استمرار ما وصفته بحالة “التعنّت” من قبل الحكومة أوصل القطاع الصحي إلى مرحلة خطيرة.

واستثنت النقابة من إجراءاتها أقسام غسيل الكلى والأورام وأمراض الدم وحالات الولادة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات الصحية الأساسية.

بدورها، أعلنت نقابة صيادلة فلسطين عن سلسلة من الإجراءات الاحتجاجية التصعيدية في القطاع العام، ردًا على ما وصفته بعدم تحقيق العدالة والمساواة بين الفئات الوظيفية المختلفة.

وطالبت النقابة الحكومة بالوفاء بالتزاماتها تجاه الصيادلة، وعلى رأسها الصرف الفوري للرواتب الشهرية كاملة، وتسوية المستحقات المالية المتراكمة والمقتطعة من الرواتب خلال السنوات الماضية، بالإضافة إلى المطالبة بتعويضات لمواجهة غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف المواصلات.

وتتضمن الخطوات الاحتجاجية انقطاعًا تامًا عن العمل للصيادلة في مباني وزارة الصحة، وتقليص الدوام في مراكز الرعاية الأولية ليقتصر على يوم الأحد فقط، على أن يبدء تنفيذها في 12 أيار/ مايو 2026.

كما شمل القرار تقليص العمل في المستشفيات والمستودعات الطبية والمؤسسات الحكومية الأخرى ليومين فقط في الأسبوع، مع الالتزام بصرف الأدوية الضرورية لمرضى الأقسام الداخلية فقط، ومقاطعة كافة اللجان وورش العمل الفنية، مؤكدة أن مجلس النقابة سيبقى في حالة انعقاد دائم لمتابعة التطورات.

بدورها، أعلنت نقابة المهندسين – مركز القدس الدخول في إضراب شامل ومفتوح ابتداءً من يوم الاثنين، ووقف التوجه الكامل إلى أماكن العمل حتى إشعار آخر.

واتهمت النقابة الحكومة باتباع “سياسة تمييز فاضحة” بين الموظفين العموميين، معتبرة أن صرف مستحقات لفئات محددة مقابل استمرار حجب الرواتب والمستحقات عن آلاف المهندسين يمثل “ازدواجية صارخة في المعايير”.

وقالت النقابة إن المهندسين تحملوا لسنوات أعباء العمل الوطني والخدماتي رغم الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة، لكن الحكومة، بحسب بيان النقابة، أثبتت مجددًا أن “الحقوق لا تأتي إلا بالانتزاع”.

وأكدت النقابة أن كرامة المهندس الفلسطيني وحقوقه “ليست محل مساومة”، محمّلةً الحكومة المسؤولية الكاملة عن أي تعطيل قد يصيب المؤسسات العامة نتيجة استمرار الأزمة.

وفي موازاة ذلك، أعلنت اللجنة التأسيسية لنقابة موظفي القطاع العام تعليق الدوام الرسمي ليوم واحد، كخطوة تحذيرية أولى ضمن برنامج تصعيدي، احتجاجًا على تأخر الرواتب والمستحقات.

وقالت النقابة إن الموظف العمومي يعيش أوضاعًا معيشية قاسية نتيجة تراكم الديون وارتفاع الأسعار، مؤكدة أن الحكومة لم تستجب حتى الآن للمطالب المتكررة بصرف الرواتب والمستحقات بصورة عادلة ومنتظمة.

وأضافت أن “كرامة الموظف خط أحمر”، وأن صبر الموظفين “له حدود”، محذرةً من خطوات تصعيدية إضافية إذا استمرت الحكومة في تجاهل المطالب.

وامتدت تداعيات الأزمة إلى القطاع الصحي الأهلي والخاص، حيث حذّر اتحاد المستشفيات والمراكز الطبية الأهلية والخاصة من أن الأزمة المالية لم تعد ظرفًا مؤقتًا، بل تحولت إلى تهديد مباشر لاستمرارية المنظومة الصحية الفلسطينية.

وقال الاتحاد إن المستشفيات الخاصة والأهلية تتحمل منذ سنوات أعباء تشغيلية ومالية متزايدة، لكنها واصلت أداء دورها الوطني رغم محدودية الإمكانيات.

وأشار إلى أن تراكم المستحقات وتأخر التدفقات المالية أدى إلى ضغوط غير مسبوقة على المستشفيات، وصعوبات متزايدة في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، إضافة إلى تهديد قدرة بعض المؤسسات على الاستمرار بالمستوى ذاته من الجاهزية.

وأكد الاتحاد أن المستشفيات الأهلية والخاصة ليست مؤسسات ربحية بالمعنى التجاري، بل تشكل شريكًا أساسيًا في حماية الأمن الصحي الفلسطيني، داعيًا إلى تحرك عاجل لمعالجة الأزمة وضمان استدامة الخدمات الصحية.

وفي قطاع التعليم، بدا المشهد أكثر تعقيدًا؛ إذ أعلن الاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين تحقيق بعض “الإنجازات” بعد تفاهمات مع وزارة التربية والتعليم، من بينها صرف بدل المواصلات وأجور العمل الإضافي لامتحانات الثانوية العامة.

إلا أن الاتحاد واصل، في الوقت نفسه، مطالبة الحكومة بصرف الرواتب كاملة ودفع المستحقات المتراكمة، مؤكدًا أن المعلمين لم يعودوا قادرين على تحمل الأوضاع الاقتصادية الحالية.

وفي المقابل، دعت أجسام وحراكات تعليمية أخرى إلى الإضراب الشامل، معتبرة أن التفاهمات الأخيرة لا تعالج أصل الأزمة المتعلق بالرواتب والحقوق المالية.

وتعكس هذه التحركات المتزامنة حجم الاحتقان المتصاعد داخل القطاع العام الفلسطيني، في ظل استمرار الأزمة المالية التي تعيشها السلطة الفلسطينية منذ سنوات، والتي تفاقمت بفعل الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة، وتراجع الدعم الخارجي، وتباطؤ النمو الاقتصادي.

لكن رغم إدراك النقابات لطبيعة الأزمة المالية، فإن النقطة الأكثر حساسية، بحسب مراقبين، تتمثل في شعور الموظفين بعدم المساواة في تحمل تبعات الأزمة، وهو ما حوّل الأزمة من مشكلة مالية إلى أزمة ثقة وعدالة اجتماعية داخل مؤسسات السلطة نفسها.

ومع اتساع رقعة الإضرابات لتشمل قطاعات حيوية كالصحة والهندسة والتعليم والخدمة المدنية، تبدو الحكومة أمام اختبار صعب بين محدودية الإمكانيات المالية من جهة، وتصاعد الضغوط النقابية والشعبية من جهة أخرى، فيما يخشى مواطنون من أن يقود استمرار التصعيد إلى شلل أوسع في الخدمات العامة خلال الأيام المقبلة.

وتعاني السلطة الفلسطينية من أزمة اقتصادية متصاعدة جراء احتجاز الاحتلال أموال المقاصة الفلسطينية منذ عام 2019، ما أضر بقدرتها على دفع رواتب موظفيها والوفاء بالتزاماتها تجاه القطاع الخاص.

و”المقاصة” هي أموال تُفرض على السلع المستوردة إلى الجانب الفلسطيني، سواء من إسرائيل أو عبر المعابر الحدودية التي تسيطر عليها تل أبيب، وتقوم الأخيرة بجبايتها لصالح السلطة الفلسطينية.

وفي فبراير/شباط، قال وزير المالية الفلسطيني اسطفان سلامة إن “إسرائيل” تحتجز ما يعادل 4.4 مليارات دولار من أموال المقاصة الفلسطينية.

المصدر: ألترا فلسطين

ي.ك