الاستعمار السيبراني الجديد .. كيف تحتكر الشركات الأمريكية ذاكرة البشرية؟

الاستعمار السيبراني الجديد .. كيف تحتكر الشركات الأمريكية ذاكرة البشرية؟
03 نوفمبر 2026
(شباب اف ام) -

لم تعد الذاكرة البشرية محفوظة في المكتبات والأرشيفات الوطنية وحدها، فقد انتقلت إلى خوادم بعيدة وقواعد بيانات ونماذج ذكاء اصطناعي تديرها شركات قليلة، وقد تجد الدول نفسها محدودة القدرة على التحكم في كيفية حفظ هذه الذاكرة أو الوصول إليها أو استرجاعها.

ويصف باحثون هذه الظاهرة باسم “الاستعمار السيبراني”، في إشارة إلى سيطرة قوى تقنية مركزية على بيانات الدول وأسواقها ولغاتها وبنيتها التحتية الرقمية، دون احتلال عسكري، إذ يكفي أن تصبح الخدمات الأساسية للدولة والمجتمع مرتبطة بمنصات يصعب الاستغناء عنها.

ذاكرة بشرية خارج حدود الدول

في الماضي، كانت السجلات المدنية والوثائق الحكومية والأرشيفات الإعلامية والتراث الثقافي تحفظ في مؤسسات عامة تخضع لقوانين الدول، لكنها أصبحت في الوقت الحالي تخزن في مراكز بيانات قد يقع بعضها في بلدان بعيدة وتخضع لأنظمة قانونية وتجارية أخرى.

 وثائق الدول وصور الأفراد والأبحاث تخزن في مراكز بيانات قد تقع خارج حدودها الجغرافية (بيكسلز)
وثائق الدول وصور الأفراد والأبحاث تخزن في مراكز بيانات قد تقع خارج حدودها الجغرافية (بيكسلز)

وهنا تنشأ تبعية جديدة، إذ قد تمتلك الدولة بيانات مواطنيها قانونيا، لكنها لا تمتلك بالكامل البنية التي تحفظها أو القدرة التقنية لاسترجاعها أو الخوارزميات التي ترتبها وتعرضها. ونتيجة لذلك، تتحول السيادة الرقمية إلى قضية سيادية تتجاوز مسألة تخزين البيانات داخل الحدود.

وتختلف التبعية في ظل “الاستعمار السيبراني” عن الاعتماد التقليدي، حيث يشمل البنية المادية والبرمجية، إلى جانب البنية المعرفية، التي تحدد كيفية تمثيل المعرفة نفسها رقميا.

خوادم العالم في أيدي قلة

تعد الحوسبة السحابية العمود الفقري للاقتصاد الرقمي، لكنها تتركز إلى حد كبير في عدد محدود من الشركات الأمريكية، أبرزها “أمازون ويب سيرفيسز” و”مايكروسوفت آزور” و”غوغل كلاود”.

وتشير دراسات لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن التركز مرتفع في أسواق السحابة، إذ يحتفظ مزود واحد بأكثر من 80% في بعض القطاعات، بينما تسيطر الشركات الثلاث الكبرى مجتمعة على أكثر من 60% في أسواق أخرى.

وعندما تعتمد مؤسسات الدولة على مزود سحابي أجنبي، يرتبط استمرار خدماتها بقراراته من ناحية سياسات الأسعار وشروط الاستخدام وقرارات تعليق الحسابات ومواقع مراكز البيانات وقدرته على مواجهة الضغوط السياسية أو القانونية.

هل يكفي أن تبقى البيانات داخل الحدود؟

تلجأ دول كثيرة إلى سياسات تفرض تخزين البيانات داخل حدودها الجغرافية، لكن هذا الإجراء لا يضمن السيادة الرقمية بالكامل إذا بقيت الشركة المشغلة أجنبية. وقد تخزن البيانات في مركز محلي، لكن الشركة تبقى خاضعة لقوانين بلدها، التي قد تلزمها بالتعاون مع أجهزته الأمنية أو القضائية.

خدمات الحوسبة السحابية العالمية تتركز في أيدي عدد محدود من الشركات الأمريكية (بيكسلز)
خدمات الحوسبة السحابية العالمية تتركز في أيدي عدد محدود من الشركات الأمريكية (بيكسلز)

وينطبق ذلك على “قانون السحابة” (CLOUD Act)، الذي يخص مزودي الخدمات الأمريكيين الذين يمتلكون البيانات أو يسيطرون عليها أو يحفظونها، بغض النظر عن موقع التخزين. وتقدم حادثة المحكمة الجنائية الدولية مثالا على هذا.

فقد أفادت “الأسوشيتد برس” بأن مايكروسوفت منعت المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، من الوصول إلى بريده الإلكتروني الرسمي بعد فرض العقوبات الأمريكية عليه في فبراير/شباط 2025، فيما أكدت الشركة أنها لم توقف خدماتها للمحكمة ككل.

ويظهر هنا الفرق الجوهري بين المفهومين، حيث يتعلق تخزين البيانات بالمكان، في حين تتعلق سيادة البيانات بمن يمتلك مفاتيح التشفير، ومن يقرر من يصل إلى البيانات، ومن يتحمل المسؤولية عند الاختراق أو التعطل أو الاستخدام غير المشروع.

من يحرس الذاكرة الرقمية البشرية؟

أصبحت شبكة الإنترنت أرشيفا حيا للأبحاث والكتب والمقالات والصور والفيديوهات والشهادات الشخصية والوثائق التاريخية، لكن الوصول إليها يمر عبر منصات تحدد ما يظهر أولا، وما يبقى مدفونا، وما يحذف بسبب سياسات أو ضغوط قانونية.

وتزداد الخطورة عندما تصبح هذه المنصات المصدر الأساسي للمعرفة لدى ملايين المستخدمين الذين يبنون صورة عن التاريخ والسياسة والهوية والثقافة عبر ما تتيحه المنصات.

وعندما تتركز محركات البحث ومنصات التواصل والخدمات السحابية ونماذج الذكاء الاصطناعي معا في أيدي شركات قليلة، تتركز معها القدرة على إدارة ما يظهر من التاريخ والسياسة والهوية والثقافة، وما يهمش منها، بطريقة قادرة على تشكيل الوعي الجمعي.

تخزين البيانات داخل الدولة لا يضمن بالضرورة سيادتها الرقمية أو منع الوصول الخارجي إليها (بيكسلز)
تخزين البيانات داخل الدولة لا يضمن بالضرورة سيادتها الرقمية أو منع الوصول الخارجي إليها (بيكسلز)

الترميز الرياضي للمعرفة

لا يقتصر احتكار الشركات الأمريكية على البنية المادية والبرمجية، إنما يمتد إلى البنية المعرفية والأدوات اللازمة لإنتاج المعنى وتمثيله رقميا.

وتعتمد كثير من استخدامات الذكاء الاصطناعي الحديثة، خصوصا محركات البحث الدلالية وأنظمة التوليد المعزز بالاسترجاع، على “التضمينات المتجهة” (Vector Embeddings) و”قواعد البيانات المتجهة” (Vector Databases).

وتحول “التضمينات المتجهة” البيانات إلى أرقام تتيح للنماذج تمثيل العلاقات الدلالية بين المحتوى والعمليات، مثل التلخيص والبحث السياقي، بحيث تقترب التضمينات المتشابهة في المعنى من بعضها في الفضاء الرياضي، وتبتعد التضمينات المختلفة عن بعضها.

في حين تخزن “قواعد البيانات المتجهة” (Vector Databases) هذه التضمينات الرقمية وتفهرسها، لكي تسترجع النتائج الأقرب معنى إلى الاستعلام بدلا من الاكتفاء بالكلمات المفتاحية، كما تستخدم كذاكرة خارجية للنماذج، مما قد يقلل الهلوسة ويحسن دقة الإجابات عند توافر مصادر موثوقة.

لكن هذه التضمينات ترتبط غالبا بالنموذج الذي أنتجها، وليست قابلة للنقل مباشرة بين النماذج دائما، مما قد يخلق ارتهانا للمزود عند محاولة الانتقال إلى شركة أخرى، إذ قد يلزم إعادة توليدها.

عندما تمتلك الشركات معنى الكلمات

تعد عملية تحويل البيانات إلى أرقام عملية ثقافية وسياسية، حيث يتعلم النموذج تمثيل الكلمات من البيانات التي تدرب عليها، بما تحمله من ثقافة، ولهجات، ومنظورات، وأبعاد تاريخية وسياسية.

وعند التحكم في البنية المعرفية، فإنه يصبح من الممكن التأثير في كيفية فهم النماذج للعالم، وكيفية فهم ملايين المستخدمين للعالم عبر الأنظمة التي تعتمد عليها.

محركات البحث والمنصات والخوارزميات تتحكم في ما يظهر من الذاكرة الرقمية وما يبقى مدفونا (بيكسلز)
محركات البحث والمنصات والخوارزميات تتحكم في ما يظهر من الذاكرة الرقمية وما يبقى مدفونا (بيكسلز)

وخير مثال على ذلك كيفية تمثيل النموذج لكلمة “المقاومة”، وهل يربطها تلقائيا بالإرهاب أم بالحق في تقرير المصير، وكيف يحدد أي الروايات التاريخية الموثوقة وأيها المضللة، حيث يعتمد تصنيف المفاهيم السياسية على بيانات التدريب والسياق والتعليمات.

واختبرت دراسة بعنوان “خارج الرؤية والانتباه: قياس تحيز النماذج اللغوية تجاه الفئات المهمشة والمتجاهلة في السياقات الإقليمية” 23 نموذجا لغويا، و270 مجموعة مهمشة مقابل 60 مجموعة مهيمنة في 25 بلدا، شملت بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا ومصر و21 دولة عربية أخرى.

ووجدت أن التحيز في النماذج اللغوية العربية يمس الفئات المهمشة والمهيمنة على حد سواء، لا سيما في ما يتعلق بالدين والعرق. كما رصدت مستويات أعلى بكثير من التحيز عند استخدام اللهجات الإقليمية، ومنها اللهجة المصرية، بدلا من العربية الفصحى الحديثة.

كما أظهرت أن النماذج التوليدية والقائمة على اتباع التعليمات تعاني تراجعا حادا في الأداء وارتفاعا في معدلات الهلوسة عند معالجة النصوص العربية، وهو ما يعزز تأثير ضعف التمثيل اللغوي والثقافي في بيانات التدريب في جودة مخرجات الذكاء الاصطناعي وموثوقيتها.

محو اللغات والثقافات في العصر الرقمي

عند تدريب النماذج على بيانات يغلب عليها مجموعة لغوية أو ثقافية، فإن المعرفة التي تنتجها تحمل تحيزات ثقافية ومعرفية، وتصبح الأطر الفكرية لهذه المجموعة المسيطرة رقميا هي العالمية، بينما تهمش الفلسفات والتقاليد الشفهية والمعارف المحلية.

ومع تحول شبكة الإنترنت والذكاء الاصطناعي إلى بوابة أساسية للمعرفة، فإن اللغات الغائبة رقميا يقل حضورها وتصبح أقل قدرة على البقاء، ويحدث الإقصاء الثقافي عند عدم وجود بيانات كافية عن لغة ما، أو عندما لا تدعم المنصات خطها أو نطقها أو سياقها الثقافي.

نماذج الذكاء الاصطناعي تحول اللغة والمعرفة إلى تمثيلات رقمية تحدد طريقة فهم المحتوى واسترجاعه (بيكسلز)
نماذج الذكاء الاصطناعي تحول اللغة والمعرفة إلى تمثيلات رقمية تحدد طريقة فهم المحتوى واسترجاعه (بيكسلز)

وأشارت منظمة اليونسكو إلى غياب قرابة نصف أشكال الكتابة من المنصات الرقمية، محذرة من أن اللغات التي تمثلها تواجه خطر الانقراض. وتوضح المنظمة أن غياب الترميز الرقمي يمنع نشر النصوص وتبادلها، ويمنع بناء قواعد البيانات اللازمة للترجمة الآلية والتعرف على الصوت والتعلم الآلي.

وقد تتحول الثقافات إلى بيانات تدريب للنماذج دون أن تحصل مجتمعاتها على سيطرة حقيقية على تمثيلها الرقمي أو عائد عادل من استثمارها.

وتدعو اليونسكو الدول إلى دراسة الأثر الثقافي لاستخدامات معالجة اللغة الطبيعية وتجنب الآثار السلبية التي قد تؤدي إلى تراجع استخدام اللغات المهددة واللهجات المحلية والتنوع الثقافي.

الأمن القومي الرقمي في مواجهة الاحتكار

أدى اعتماد القطاعات الحساسة على الأنظمة السحابية إلى تحول مسألة احتكار البنية التحتية الرقمية إلى مسألة أمن قومي، حيث قد تواجه الدولة مخاطر متعددة عندما تدير شركات أجنبية هذه الأنظمة، مثل تسريب البيانات، أو تعطل الخدمات، أو تقييد الوصول في أوقات الأزمات.

كما أن الاعتماد على نماذج تلك الشركات في معالجة اللغة المحلية قد يخلق ثغرات في فهم السياق الوطني، خصوصا في مجالات الأمن والقضاء والإعلام والتعليم.

وينبغي على الدول التعامل مع الاعتماد الرقمي الأجنبي كما تتعامل مع الاعتماد في الطاقة أو الغذاء، حيث قد تجد الدول نفسها في موقع تفاوضي ضعيف أمام الشركات في حال عدم امتلاكها قدرة حسابية محلية، أو نماذج لغوية وطنية.

تراث لغات وثقافات كثيرة يواجه خطر الغياب الرقمي مع هيمنة لغات وبيانات محددة على أنظمة الذكاء الاصطناعي (بيكسلز)
تراث لغات وثقافات كثيرة يواجه خطر الغياب الرقمي مع هيمنة لغات وبيانات محددة على أنظمة الذكاء الاصطناعي (بيكسلز)

بدائل السيادة الرقمية .. بين الاستقلال والتكامل

لا تعني السيادة الرقمية العزلة أو قطع العلاقة مع الشركات العالمية، إنما القدرة على الاختيار والتفاوض والحفاظ على الاستقلال في المجالات الحساسة من خلال إنشاء أرشيفات رقمية سيادية للتراث والوثائق والمعرفة العلمية.

وينبغي اعتماد معايير مفتوحة لضمان قابلية نقل البيانات، إلى جانب تعدد الموردين، وامتلاك مفاتيح التشفير، وتدقيق العقود والأصول، والنسخ الاحتياطي القابل للاختبار، دون إهمال البحث العلمي المحلي في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، مع تشريع قواعد واضحة لحوكمة البيانات الحكومية والثقافية.

كما يجب بناء تحالفات إقليمية تتيح تقاسم التكاليف والخبرات بدلا من بقاء كل دولة في مواجهة فردية مع الشركات الكبرى، حيث يتمثل خطر “الاستعمار السيبراني” في تحول التقنيات المتقدمة إلى بنية احتكارية تدير ذاكرة البشرية وتحدد شروط ظهورها وفهمها واسترجاعها.

ختاما، ترتبط معركة السيادة الرقمية القادمة بقدرة المجتمعات على امتلاك لغاتها رقميا، وفهم سياقها، وحفظ تراثها، وبناء بنية معرفية لا تترك ذاكرتها البشرية رهينة، لأن المعرفة قد تتحول من ملك إنساني مشترك إلى مورد يدار وفق منطق السوق عند تركز البنية التحتية في أيدي شركات قليلة.

قد يوسع الذكاء الاصطناعي المعرفة الإنسانية أو يضيقها، وقد يحفظ التنوع الثقافي أو يمحوه، وذلك بالاعتماد على من يضع القواعد، ومن يقرر ما الذي يستحق أو لا يستحق أن يبقى في ذاكرة البشرية، حيث إن من يمتلك الأدوات يمتلك القدرة على تنظيم المعنى والذاكرة والسيادة في عصر الذكاء الاصطناعي.

المصدر: الجزيرة + وكالات
س.ب