إيلون ماسك تجاوز كل الحدود.. فأين تنتهي سلطة رجال الأعمال؟

إيلون ماسك تجاوز كل الحدود.. فأين تنتهي سلطة رجال الأعمال؟
19 أكتوبر 2026
(شباب اف ام) -

لا تكمن المفارقة في أن إيلون ماسك -وهو أغنى رجل في العالم- يَعِد بابتكار سيارة طائرة فحسب، بل في أن هذا العرض التكنولوجي المثير يتزامن مع تصاعد الانتقادات لدوره السياسي، وتنامي نفوذه في مؤسسات الدولة الأمريكية، وما يراه منتقدوه توظيفا للثروة والتكنولوجيا لترسيخ سلطة شخصية يصعب إخضاعها للمساءلة.

وكان رجل الأعمال الأمريكي والرئيس التنفيذي لشركة تسلا لصناعة السيارات الكهربائية قد كشف مساء الخميس 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، خلال عرض تجريبي في شركة “سبيس إكس” لصناعة الصواريخ وتكنولوجيا الفضاء بالقرب من مدينة واكو بولاية تكساس، عن نموذج أولي جديد من سيارة تسلا “رودستر” مزود بتقنيات تتيح له تنفيذ قفزات ومناورات في الهواء.

وبينما يقدم ماسك هذا المشروع بوصفه خطوة نحو إعادة تشكيل المستقبل، تكشف 3 تقارير أمريكية نشرتها صحيفتا “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” ومجلة “أتلانتيك” عن أسئلة أعمق تتعلق بحدود نفوذه، وتكلفة طموحاته، والفرق بين الإنجاز التقني والمسؤولية الاجتماعية.

وتنوعت قراءات تلك الصحف بين تحليلات ترى في ما يفعله ماسك تهديدا ناعما للديمقراطية، ورؤى سينمائية تعتبره تجسيدا لجنون العظمة، ونظرات نقدية ترى في أحلامه التكنولوجية مجرد استعراضات بصرية لتعزيز السلطة الفردية.

السيارة الطائرة: حلم الحرية أم استعراض للقوة؟

وفي مقال نشرته مجلة “أتلانتيك” الأمريكية بعنوان “السيارة الطائرة يجب ألا تُصنع أبدا”، تناول الكاتب إيان بوغوست طريقة الكشف عن نموذج أولي جديد لسيارة تسلا “رودستر” الطائرة، حيث عُلّقت السيارة بالمقلوب على مسار منحنٍ، ثم نفذت مناورات جوية، بينها القفز فوق شاحنة من طراز “تسلا سيمي”، باستخدام دافعات تعمل بالهواء المضغوط مصممة بالتعاون مع “سبيس إكس”.

ويقر الكاتب بأن العرض كان مثيرا للإعجاب، رغم ما وصفه بارتباك ماسك في تقديمه، الذي رأى أنه أضفى على المشهد طابعا طريفا.

لكن بوغوست لا يتعامل مع المشهد باعتباره إنجازا هندسيا فحسب، بل ينطلق منه للتشكيك في الفكرة التي تجعل السيارة الطائرة رمزا ضروريا للتقدم.

وعقب الكشف عن السيارة، أعاد ماسك صياغة مقولة لرجل الأعمال والمستثمر الأمريكي بيتر ثيل، شريكه السابق في شركة “باي بال” لخدمات الدفع الإلكتروني، قائلا: “أردنا سيارات طائرة، لكننا حصلنا بدلا من ذلك على 140 حرفا”.

وكانت هذه العبارة جزءا من بيان نشرته عام 2011 شركة “فاوندرز فاند” للاستثمار في رأس المال الجريء، التي شارك ثيل في تأسيسها، وكان المقصود منها انتقاد محدودية طموحات قطاع التكنولوجيا.

فبدلا من توظيف العقول اللامعة والأموال في العالم لحل التحديات الكبرى والمهمة، انصبّ الاهتمام على مشروعات أصغر في مجال التواصل الاجتماعي، مثل منصة تويتر، المعروفة حاليا باسم “إكس”، التي كانت منشوراتها محدودة آنذاك بـ140 حرفا.

غير أن بوغوست يشير إلى مفارقة في هذا الطرح، تتمثل في أن أحد أهم استثمارات الشركة آنذاك كانت منصة فيسبوك للتواصل الاجتماعي.

أما جوهر انتقاد بوغوست فيتمثل في التشكيك في قدرة السيارة الطائرة على حل مشكلات التنقل. فهي -في رأيه- لا تمثل وسيلة نقل بقدر ما تمثل رمزا أيديولوجيا للحرية الفردية المطلقة التي تتحقق عبر إخضاع التكنولوجيا للعالم المادي. ومن هنا يأتي عنوان مقاله التحذيري: “يجب ألا تُصنع السيارة الطائرة أبدا”.

FILE PHOTO: US President Donald Trump presents the National Medal of Science to Tesla and SpaceX CEO Elon Musk during the "A New Golden Age" summit at the U.S. Institute of Peace, renamed The Donald J. Trump Institute of Peace by the Trump administration, in Washington, DC, US, October 8, 2026. REUTERS/Evan Vucci/File Photo
دونالد ترمب يقدم الوسام الوطني للعلوم إلى ماسك خلال قمة “العصر الذهبي الجديد” في واشنطن (رويترز)

نفوذ المال السياسي وحدود المساءلة

في مقال رأي حاد نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” بعنوان “إيلون ماسك يتجاوز كل الحدود”، يسلط كاتب الرأي الأمريكي جميل بوي الضوء على التناقض الحاد في تعامل وسائل الإعلام والسياسيين الأمريكيين مع نفوذ ماسك المالي وتداخله مع القرار السياسي.

ويوضح بوي أن ماسك، الذي يُعد أثرى رجل في العالم، أنفق نحو 290 مليون دولار خلال الدورة الانتخابية الأمريكية لعام 2024، وأتبعها بتوجيه نحو 276 مليون دولار إلى لجان عمل سياسي وجهات تدعم الحزب الجمهوري، مما يجعله على الأرجح أكبر متبرع سياسي منفرد معروف في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2026.

ويذهب بوي إلى وصف ماسك بأنه أحد أبرز المروجين لأفكار تفوق العرق الأبيض، مستندا إلى منشوراته ومواقفه العلنية، ومعتبرا أن نفوذه يتجاوز مجرد التعبير عن آراء سياسية مثيرة للجدل.

ويرى الكاتب أن ماسك يروج لتصورات قاتمة تنطوي على نزعة إقصائية، وتستهدف المهاجرين والأقليات العرقية.

ويقول إنه يستغل امتلاكه الحساب الأكثر متابعة على منصته “إكس” للتواصل الاجتماعي، فيتعمد “تضخيم” الحسابات المنتمية إلى اليمين المتطرف، وينشر دعاية عنصرية، ويؤيد الدعوات إلى ممارسة العنف ضد من تصفهم المجموعات المناهضة للهجرة بأنهم “غزاة”.

كما ينتقد بوي تأييد ماسك لما يسمى سياسة “إعادة الهجرة”، وهي فكرة تتبناها تيارات من اليمين المتطرف، وتقوم في صيغتها الأكثر تشددا على الإبعاد القسري للسكان غير البيض إلى بلدان أصولهم، ولو كانوا مواطنين.

وأفاد بوي بأنه اقتبس في مقال سابق جانبا من الخطاب العدائي الذي يتبناه ماسك، مضيفا أن تكرار بعض ما قاله الملياردير الأمريكي جدير بالإشارة إليه مرة أخرى. فقد كتب ماسك في سبتمبر/أيلول 2025 أن “البيض أقلية تتناقص بسرعة بين سكان العالم”.

وقال ماسك أيضا إن “انخفاض معدل المواليد هو التهديد الأول للغرب، تليه الهجرة مباشرة. ولن يبقى هناك غرب إذا استمر هذا الوضع”.

ولا يقتصر انتقاد الكاتب على الخطاب، بل يقارن بين التدقيق الذي تتعرض له شخصيات يسارية بسبب تصريحاتها، وبين ما يعتبره غيابا للمساءلة الجادة للجمهوريين بشأن مواقف أكبر مموليهم.

ويطالب بوي السياسيين الجمهوريين بتوضيح موقفهم من أفكار ماسك، ويدعو الديمقراطيين إلى استخدام سلطاتهم الرقابية للتحقيق في شركاته وعلاقاته بالحكومات الأجنبية ومدى التزامه بالقوانين الفدرالية.

ويدعو بوي في هذا الصدد إلى فتح تحقيقات بشأن شركات ماسك وعلاقاته الخارجية، وإعادة إدارة ديمقراطية مستقبلية تقييم العقود الحكومية المبرمة معه.

ويطرح ضمن الإجراءات المحتملة سحب تصاريحه الأمنية، وإلغاء عقود حكومية، واستخدام قوانين مكافحة الاحتكار لتفكيك شركات مثل “سبيس إكس”، أو إخضاع بعض الوظائف الأساسية لإدارة اتحادية مباشرة.

ويبرر ذلك بأن اعتماد الحكومة على شركاته، بالتزامن مع نفوذه السياسي، يثير أخطارا تتجاوز حدود المنافسة التجارية.

VENICE, ITALY - SEPTEMBER 08: Alex Gibney attends the "Musk" Screening during the 83rd Venice International Film Festival at Sala Grande on September 08, 2026 in Venice, Italy. (Photo by Andreas Rentz/Getty Images)
أليكس غيبني مخرج فيلم “ماسك” الذي تتبع فيه التحول السلوكي في شخصية مؤسس شركة سبيس إكس (غيتي)

ماسك بين الابتكار والتمركز حول الذات

على الصعيد الفني والتحليلي، يستعرض الناقد ترافس أندروز في صحيفة “واشنطن بوست” تفاصيل فيلم وثائقي جديد مدته 3 ساعات و45 دقيقة بعنوان “ماسك”، للمخرج الأمريكي أليكس غيبني الحائز على جائزة الأوسكار، الذي بدأ عرضه التجاري في الولايات المتحدة يوم 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

وفي حديثه مع الصحيفة، يصف غيبني قرار تعيين ماسك لقيادة “مشروع ميريديان”، وهو مبادرة يشرف عليها البنتاغون لدراسة مستقبل الحروب والتكنولوجيا العسكرية، قائلا إن ذلك “يشبه وضع شخصية الجوكر في قيادة مشروع مانهاتن”، في إشارة إلى برنامج تطوير القنبلة الذرية الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية.

ويركز الوثائقي على تتبع التحول النفسي والسلوكي لماسك مع تزايد سلطته وثروته، حيث يجد غيبني أن ماسك أصبح مع اتساع نفوذه أكثر تمركزا حول ذاته، وأكثر ميلا إلى السلوك “السيكوباتي” المرتبط بما يُعرف في الطب النفسي باسم اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع.

ويعرض الفيلم، من وجهة نظر مخرجه، كيف تغيرت أولويات ماسك مع تنامي نفوذه. ومن الأمثلة التي يوردها انتقاله إلى مقر تويتر عقب مباراة نهائي دوري كرة القدم الأمريكية “سوبر بول”، بعد أن أثار غضبه أن أحد منشوراته لم يحظ بالانتشار الذي أراده، وطلبه من مهندسي المنصة العمل طوال الليل لتعديل الخوارزمية بما يزيد ظهور منشوراته.

 

 

ويقارن غيبني في فيلمه بين مزاعم ماسك بشأن قدرة نظام القيادة الذاتية في سيارات تسلا على تمكين السائقين من النوم أو ممارسة ألعاب الفيديو أثناء القيادة، وتسببها في عشرات الحوادث المميتة.

ويصيغ المخرج معادلته التحليلية عبر مفهوم “الفساد بذريعة الغاية النبيلة”، حيث يخلص إلى تناقض الصورة التي يقدمها ماسك عن نفسه بقوله إنه بنى “عالما بديلا” يرى فيه نفسه منقذا للكوكب، بينما يسهم -بحسب تقييم الفيلم- في الإضرار به من خلال التلوث المرتبط بمراكز بيانات “غروك”، وحوادث السيارات، والتداعيات الإنسانية لتقليص المساعدات الخارجية.

والخلاصة أن ما يمكن استنتاجه من القراءة المتأنية للتحليلات الثلاثة هو أن خطورة إيلون ماسك لا تكمن فقط في حجم ثروته أو أفكاره المثيرة للجدل، بل في قدرته على تحويل الأحلام التكنولوجية الاستعراضية إلى أداة لترسيخ سلطة فردية تتجاوز المساءلة الديمقراطية والتنظيمية.

كما أن إيلاء الاهتمام للإنجازات التقنية كالسيارات الطائرة دون الالتفات إلى الآثار السياسية والاجتماعية والتنفيذية الناتجة عن نفوذه، يحجب حقيقة التحول الجذري الذي تحدثه هذه الظاهرة في بنيوية السلطة والقرار في الولايات المتحدة.

المصدر: أتلانتك + نيويورك تايمز + واشنطن بوست
س.ب