رسوم المياه تفجّر غضب المزارعين في الأغوار وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة

رسوم المياه تفجّر غضب المزارعين في الأغوار وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة
14 يونيو 2026
(شباب اف ام) -

أثارت مطالبات مالية من السلطة الفلسطينية للمزارعين بدفع رسوم على استخراج المياه الجوفية موجة غضب واسعة، وسط تحذيرات من تداعيات القرار على القطاع الزراعي وصمود السكان، فيما تؤكد الجهات الرسمية أن الرسوم قانونية وتهدف إلى تنظيم الموارد المائية.

اضطر المزارع جواد دراغمة لدفع مبلغ 17 ألف دينار أردني (نحو 23 ألف دولار)، لسلطة المياه، فهو يملك بئراً ارتوازية في أرضه يستخدم المياه المستخرجة منها لري المزروعات والمواشي التي يملكها وتعد مصدر دخله الوحيد.

خيوط الأزمة تتكشف

ليس وحده، فقد بدأت خيوط الأزمة تتكشف خلال الفترة الماضية، مع وصول إخطارات مالية صادرة عن سلطة المياه إلى عشرات المزارعين في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، تطالبهم بدفع مبالغ مالية ضخمة مقابل استخراج المياه الجوفية لري مزارعهم. يقول دراغمة لـ”العربي الجديد”: “فيما نواجه خطراً وجودياً جراء قرارات الاحتلال الإسرائيلي وحصاره العسكري والاستيطاني على مصادر المياه والأراضي، نُفاجأ بفرض الحكومة الفلسطينية عبر سلطة المياه رسوماً وضرائب باهظة بأثر رجعي على الآبار الارتوازية الزراعية“.

ويضيف دراغمة، “من أين أدفع هذا المبلغ المالي الضخم؟ أنا أستفيد من 90% من المياه التي أستخرجها وأبيع فقط 10%. لست تاجراً بل مزارعٌ بسيطٌ، كان يتوقع من حكومته أن تدعمه وهو يواجه خطر التهجير من المستوطنين الذين استباحوا كل شيء في الأغوار تحديداً“.

هذه الخطوة الرسمية فجرت موجة غضب عارمة في صفوف المزارعين والاتحادات النقابية، وسط تحذيرات من اضطرار آلاف المزارعين إلى هجر أراضيهم، ما يسهل على الاحتلال مخططات الضم والتطهير العرقي في المناطق المصنفة “ج“.

توقيت حرج

ويوضح رئيس اتحاد جمعيات المزارعين الفلسطينيين، عباس ملحم، أن الاتحاد تلقى بلاغات وإخطارات رسمية صادمة وصلت إلى المزارعين؛ تطالبهم بدفع مبالغ مالية تفوق قدرتهم. ويحذر ملحم من أن “الاستمرار في تطبيق هذا القرار في هذا التوقيت الحرج، مع بداية فصل الصيف، قد يفجر أزمة داخلية لها أول وليس لها آخر، ويهدد بتفكيك الجبهة الداخلية التي تحتاج إلى التلاحم لمواجهة إرهاب المستوطنين“.

وينتقد ملحم التناقض الحاد بين الشعارات الرسمية التي ترفعها الحكومة لدعم الصمود في المناطق المصنفة “ج” وفق اتفاقية أوسلو، وبين سياساتها على أرض الواقع. ويقول ملحم: “في الوقت الذي يقطع فيه الاحتلال شبكات المياه بخنادق عسكرية في سهل عاطوف لإفراغ الأرض، تأتي الحكومة لتلاحق المزارع بضرائب المياه، بدلاً من تعويضه وإعفائه من أثمان المحروقات والكهرباء اللازمة للضخ“.

صدمة المزارعين

على الأرض، تخيم حالة من الذهول على المزارعين في سهل البقيعة والأغوار إثر تبليغهم بفواتير مائية إجمالية تجاوزت لبعض المجموعات الزراعية أكثر من 100 ألف دينار أردني. وفي هذا السياق، يفيد المزارع من سهل البقيعة، محمد دراغمة، بأن القرار يشكل “هجمة غير مبررة على القطاع الزراعي في الأغوار”، وأنه جاء دون سابق إنذار وبتطبيق مجحف بأثر رجعي. ويوضح دراغمة أن الآبار المستهدفة هي آبار جوفية ارتوازية مرخصة، حفرها المزارعون وتشاطروا تكاليفها الباهظة من أموالهم الخاصة من دون أي دعم حكومي.

ويشير دراغمة إلى أن هذا القرار سيدفع آلاف المزارعين -الذين ينقلون عائلاتهم من جنوب الضفة المحتلة مثل بلدة يطا بالخليل إلى شمالها للعمل في الأغوار- إلى التخلي عن مهنتهم وترك أراضيهم فريسة سهلة للمستوطنين. ويلفت دراغمة إلى أن القطاع الزراعي ينزف اقتصادياً بالفعل جراء ارتفاع مدخلات الإنتاج، حيث قفز سعر طن السماد من 1400 شيكل (نحو 500 دولار) إلى نحو 4000 شيكل (نحو 1350 دولار)، مؤكداً أن توفير المياه من دون أعباء هو المقوم الأساسي لمنع تفشي البطالة بعد تعطل العمال عن العمل داخل الخط الأخضر.

من جانبه، يؤكد المزارع سمير الحمود، أن سلطة المياه لم تفرّق بين الآبار الزراعية الخاصة والآبار التجارية التي تبيع المياه لتحقيق الأرباح. ويوضح الحمود أن عدداً كبيراً من هذه الآبار يُستخدم حصرياً لري المحاصيل الاستراتيجية كالبطاطا والبصل، أو لتزويد الهيئات المحلية والبلديات بالمياه بأسعار قريبة من التكلفة لسد العجز الإجمالي، مشدداً على أن أصحاب الآبار يعانون خسائر متراكمة نتيجة انهيار أسعار المنتجات وارتفاع تكاليف صيانة المضخات والمعدات.

توقيت خاطئ” يخدم التوسع الاستيطاني

أصوات علت تحذر من أبعاد سياسية خطيرة تتجاوز البعد المالي، حيث يؤكد الناشط السياسي والمتابع لشؤون الاستيطان، خالد منصور، أن تطبيق القرار المستند إلى قانون أُقر عام 2021 يأتي في توقيت “خاطئ جداً ومدمر”. وينبّه منصور في تصريحاته لـ “العربي الجديد” إلى أن آثار فرض تلك الرسوم ستنعكس مباشرة على المستهلك الفلسطيني، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية والمياه، وتحميل المواطنين أعباءً مالية فوق طاقتهم.

وينتقد منصور ضعف الدعم الرسمي قائلاً: “إن المزارعين يمثلون خط الدفاع الأول عن الأرض في مواجهة عشرات البؤر والمزارع الاستيطانية الرعوية التي أقيمت مؤخراً بالضفة المحتلة”، مطالباً الحكومة بالبحث عن بدائل مالية لتعزيز خزائنها بعيداً عن جيوب المزارعين لحماية الأمن الغذائي الوطني.

وتزداد المفارقة تعقيداً بالنظر إلى البنية التحتية المائية في فلسطين؛ حيث يتحكم الاحتلال الإسرائيلي في الملف المائي الفلسطيني بنسبة 100% عبر “اللجنة المائية المشتركة” (JWC) المنبثقة عن اتفاقية أوسلو. ويستخدم الاحتلال حق “الفيتو” لرفض جميع الطلبات الفلسطينية تقريباً لحفر الآبار الزراعية أو تأهيلها، في حين يصادق على 97.5% من الطلبات المقدمة لصالح المستوطنين، ما يجعل فرض السلطة الفلسطينية لضرائب إضافية على الكميات الشحيحة المتبقية أمراً غير مستساغ نقابياً وشعبياً.

سلطة المياه: تنظيم ومنع استنزاف

في المقابل، دافعت سلطة المياه الفلسطينية عن إجراءاتها؛ حيث يوضح الناطق باسمها عادل ياسين أن الرسوم المفروضة على استخراج المياه الجوفية ليست جديدة، ولا تستهدف المزارعين أو الاستخدامات الزراعية بشكل خاص، إنما تُطبق على مختلف فئات مستخرجي المياه وفقاً للقانون، بما في ذلك الجهات التي تقوم ببيع المياه أو المتاجرة بها وتحقيق عوائد تجارية منها. ويقول ياسين: “هذه الرسوم ليست جديدة، إذ تم إقرارها ضمن الأنظمة النافذة منذ عام 2020 بهدف تنظيم قطاع المياه، وتعزيز الإدارة المستدامة للموارد المائية، وحمايتها من الاستنزاف“.

وفي ضوء الظروف الاقتصادية الراهنة، يشير ياسين، إلى أن سلطة المياه خفضت قيمة الرسوم خلال عام 2025، مراعاةً للأوضاع الاقتصادية ودعماً للقطاع الزراعي. كما جرى وفق ياسين، تشكيل لجنة مختصة لدراسة الحالات الفردية والاعتراضات الواردة، بما يراعي خصوصية كل حالة ويضمن العدالة والإنصاف في التطبيق، مع تأكيد أهمية الحفاظ على الموارد المائية الوطنية باعتبارها ثروة استراتيجية للأجيال الحالية والقادمة. وبشأن التناقض بين القرار ودعوات تعزيز صمود المزارعين، يشير ياسين إلى أن تعزيز صمودهم من واجب ومسؤوليات وزارة الزراعة ومنظمات المجتمع المدني ذات العلاقة، وأن أقصى ما يمكن لسلطة المياه تقديمه لهم ترخيص آبار للاستخدام الزراعي، أو توفير مياه زراعية لهم بسعر مناسب ومدعوم.

المصدر: الاقتصادي
ي.ك