توماس فريدمان: لقد فات الأوان فعلا لدرء خطر الذكاء الاصطناعي

توماس فريدمان: لقد فات الأوان فعلا لدرء خطر الذكاء الاصطناعي
16 سبتمبر 2026
(شباب اف ام) -

في مقال رأي بصحيفة نيويورك تايمز يحذر من أن سباق الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة يصعب التراجع عنها، يرى الكاتب توماس فريدمان أن المشكلة لم تعد تتمثل فقط في كيفية تنظيم النماذج التي ستظهر مستقبلا، بل في طريقة التعامل مع أنظمة قوية موجودة بالفعل وانتشرت خارج نطاق السيطرة الكاملة لمطوريها.

وتحت عنوان “لقد فات الأوان فعلا لوقف تهديد الذكاء الاصطناعي”، يقدم الكاتب المعروف قراءة استشرافية عميقة للواقع المأزوم الذي آلت إليه سياسات حوكمة الذكاء الاصطناعي، مسلطا الضوء على حالة التخبط البيروقراطي وغياب الرؤية الموحدة لدى صناع القرار في التعامل مع تقنية تتجاوز بخصائصها حدود الأدوات التقليدية لتصبح نوعا حيا جديدا يشكل تهديدا وجوديا ومؤسسيا للبشرية جمعاء.

ينطلق فريدمان من مفارقة يصفها بأنها “فوضى” في السياسات الأمريكية والصينية تجاه الذكاء الاصطناعي. فالشركات تطالب بإبطاء التطوير، لكنها تربط ذلك بما ستفعله الصين، بينما تظل المنافسة على الريادة التكنولوجية حافزا قويا للاستمرار في السباق.

ويستشهد، في المقابل، بتصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أكد فيه أن “الضوابط الوقائية” الوحيدة اللازمة  للسيطرة على الذكاء الاصطناعي تكمن في وجود “رئيس قوي وذكي”.

ويستعرض فريدمان -في مقاله- مشاهد من المسرح السياسي المضطرب والانعكاسات “المضحكة المبكية” لتصريحات بعض القادة التي تتبنى فهما سطحيا يعتمد على القيادة الفردية المباشرة بدلا من الهياكل التنظيمية وحواجز الأمان الصلبة.

لكن جوهر الفكرة التي يتبناها فريدمان هو أن الرهان على ضبط نماذج المستقبل وحدها لم يعد كافيا. وهنا يستعين بتحليل كريغ موندي، الرئيس السابق للأبحاث والإستراتيجية في مايكروسوفت، لبناء 4 أركان لفهم الخطر.

الأول أن الذكاء الاصطناعي أصبح، في تصور فريدمان، تكنولوجيا “رباعية الاستخدام”. فالمشكلة لم تعد أن الإنسان يستطيع استخدام الأداة للبناء أو التدمير، وإنما أن الأداة نفسها قد تصبح قادرة على اتخاذ قرارات وتنفيذ أفعال بصورة مستقلة.

ويسوق الكاتب شواهد على عمليات اختراق موثقة مؤخرا نُسبت إلى وكلاء ذكاء اصطناعي، مثل قيام مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي التابعة لشركة “أوبن إيه آي” باختراق منصة “هاغينغ فيس” بمحض إرادتها، واستخدام جهات “مارقة” كالحوثيين في اليمن المدعومين من إيران نماذج متقدمة لاستهداف قطع بحرية وتطوير صواريخ، ويدلل فريدمان بذلك على أن التهديدات لم تعد نظرية، بل تجلت في الواقع الفعلي على شكل “استخدام رباعي” تتخذ فيه الأنظمة قراراتها باستقلالية تامة.

وهذا بدوره يقود -وفق المقال- إلى الركن الثاني، الذي لخّصه موندي في 3 كلمات: “لقد فات الأوان”. فالنماذج ذات الأوزان المفتوحة انتشرت بالفعل، كما أن نماذج مملوكة لشركات تجارية قد تصل إلى أيدي جهات مارقة ودول غير منضبطة.

ويستشهد الكاتب على ذلك بتقرير شركة أنثروبيك بشأن محاولات مرتبطة بأبحاث الأسلحة البيولوجية، وباستخدام نموذج “كلود” في جمع معلومات عسكرية والعمل على أنظمة توجيه للصواريخ، ليقول إن قدرات الذكاء الاصطناعي الخطرة لم تعد احتمالا مستقبليا فحسب.

ومن هنا يصل إلى الركن الثالث، وهو أنه بدلا من جعل إبطاء السباق الأمريكي الصيني الأولوية الفورية، يدعو فريدمان إلى تعاون البلدين في بناء دفاعات مشتركة ضد الهجمات السيبرانية والتهديدات البيولوجية، مع تطوير وسائل حماية للبنى التحتية الحيوية. ويرى أن الهدف العاجل ينبغي أن يكون احتواء الأضرار التي أصبحت ممكنة بالفعل.

ويتجاوز الركن الرابع التكنولوجيا نفسها إلى تصور فريدمان لطبيعة التحول التاريخي. فالكاتب يتبنى تشبيه موندي للذكاء الاصطناعي بأنه “نوع جديد” من الكيانات، وليس مجرد تقنية جديدة.

وبناء على ذلك، تصبح القضية أوسع من تنظيم منتج تكنولوجي، إنها -في نظر الكاتب- مسألة تتعلق بكيفية تعايش المجتمعات البشرية مع أنظمة تتمتع بقدرات متزايدة على اتخاذ القرارات. ويستند المقال إلى سوابق تاريخية ذكية تستحضر تعاون واشنطن وموسكو في سبعينيات القرن الماضي وفي حقب الحد من التسلح النووي لمواجهة أخطار وجودية مشتركة.

ولتلخيص ما يتعين القيام به للتصدي للتحديات التي يواجهها العالم، ينقل فريدمان عن موندي  قوله إن على الدول اتباع 3 مسارات مترابطة: أولها السعي إلى فرض سيطرة أفضل على الأنظمة المتقدمة قيد التطوير، وثانيها تطوير نظام عالمي للسيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي المتزايدة القوة، بصرف النظر عن مصدرها، وأخيرا ينبغي للولايات المتحدة والصين أن تبدآ الآن مشروعا مشتركا لبناء منصة جديدة تسرّع وصول المنافع العالمية في علوم الأحياء والطب، بما يعود بالنفع على الجميع.

إن الرسالة الأساسية التي يريد فريدمان إيصالها هي أن المنافسة بين واشنطن وبكين لا تلغي الحاجة إلى التعاون، بل قد تجعلها أكثر إلحاحا. وهو يضع خطر الذكاء الاصطناعي في إطار أوسع من سباق التفوق التكنولوجي.

ويتوقع الكاتب أن الولايات المتحدة والصين ستضطران في النهاية إلى إعادة تعريف قواعد المنافسة نفسها إذا أرادتا تجنب تحوّل التكنولوجيا إلى مصدر واسع لعدم الاستقرار. ويعلّق الكاتب آمالا على لقاء الرئيس ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ يوم 24 سبتمبر/أيلول الجاري بوصفه فرصة محتملة لبدء هذا المسار.

المصدر: نيويورك تايمز
ع.ه