تكشف الأبحاث العلمية يوما بعد يوم عن معطيات جديدة تعيد النظر في مفاهيم سابقة، فبعد أن ساد الاعتقاد طويلا بأن الغدة الزعترية تفقد أهميتها بعد البلوغ، بدأت الدراسات الحديثة تبرز دورها الحيوي بشكل أوضح، ما قد يغير فهمنا للصحة ويقود إلى تبني أساليب حياة مختلفة.
البطل المنسي
تتربع الغدة الزعترية في الجزء العلوي بين الرئتين خلف عظمة القص من القفص الصدري، وتبدأ عملها أثناء تكون الجنين في رحم أمه لتستقبل الخلايا البيضاء اللمفاوية تحديدا وتسهم في نضجها وتمايزها مكونة الخلايا التائية (T-cells)، فتستكمل جل عملها خلال مرحلة الطفولة، وهي المسؤولة بدورها عن مواجهة الفيروسات والبكتيريا والأجسام الغريبة التي تغزو الجسم لاحقا.
والغدة الزعترية أحد أجزاء الجهاز اللمفاوي، تبدأ بالضمور وتفقد جزءا كبيرا من وظائفها مع مرحلة البلوغ، فتتحول معظم أنسجتها الوظيفية لنسيج دهني غير فاعل.
وظلت الغدة الزعترية مهملة لعقود، رغم احتمال كونها عنصرا أساسيا في تفسير اختلاف معدلات الشيخوخة بين الأفراد، وربما أيضا أحد العوامل المؤثرة في استجابة المرضى لعلاجات السرطان. فهل يكون الاهتمام بهذه الغدة التي طال إغفالها مفتاحا لحياة أطول وأكثر صحة؟

دراسة مدعومة بالذكاء الاصطناعي
أجرى فريق من الباحثين بقيادة البروفيسور هوغو أيرتس من مؤسسة ماس جينرال بيرغهام البحثية في الولايات المتحدة، دراسة نشرت نتائجها في مجلة نيتشر (Nature) أوضحت العلاقة بين الغدة الزعترية لدى البالغين وصحة الجسم على المدى البعيد، إذ تبين أن هذه الغدة تسهم في إبطاء شيخوخة الجسد وتعزز مناعته ضد بعض الأمراض الخطيرة كالسرطان ليكتسب صحة أفضل لسنوات أطول.
واعتمدت الدراسة على تحليل بيانات عدد كبير من المشاركين ضمن دراستين طويلتي الأمد؛ الأولى هي التجربة الوطنية للكشف عن سرطان الرئة التي شملت 25031 شخصا تمت متابعتهم لمدة 12 عاما، والثانية دراسة فرامنغهام للقلب التي ضمت 2581 مشاركا تمت متابعتهم لعقود.
وبلغ إجمالي العينة في التحليل 27612 شخصا، حيث طور الباحثون نموذجا قائما على الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الأشعة المقطعية (CT)، بهدف تقييم حالة الغدة الزعترية وربطها بالمؤشرات الصحية المسجلة في ملفات المشاركين.
الغدة الزعترية السر لصحة أفضل
أظهرت النتائج لدى المشاركين بعد تحليلها ارتباط صحة الغدة الزعترية باكتساب الجسم لمستوى مناعي أعلى، انعكس إيجابا بحصول المشاركين على حياة صحية أفضل مع انخفاض خطر الإصابة بالأمراض، أبرزها السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية المسببة للوفاة.
وبهدف تأكيد النتائج وتقييمها بدقة، ضبط الباحثون العوامل الأخرى التي قد تلعب دورا في ضعف الحالة الصحية التي قد يمر بها أي شخص، كالعمر والأمراض المصاحبة، لتأتي النتائج عكس التوقعات فتكشف عن دور الغدة الزعترية الذي أثبت محوريته بصرف النظر عن أي عوامل أخرى لدى المشاركين، فكانت النتيجة أن الغدة الزعترية تعد مؤشرا تنبؤيا قويا للمستقبل الصحي للمرضى.

هل تهدد الرئة؟
بعد تصنيف المشاركين وفقا لحالة الغدة الزعترية لديهم، سجل المشاركون الذين يتمتعون بمستوى صحي بين المتوسط إلى المرتفع للغدة الزعترية نتائج مبهرة كشفت عن انخفاض معدل الوفيات المرتبط بسرطان الرئة، بل وانخفاض خطر الإصابة بسرطان الرئة وأنواع أخرى من السرطان، إلى جانب العلاقة الإيجابية بين صحة الغدة الزعترية ومعدل الوفاة من أمراض الرئة عموما والتي كانت أقل بنسبة 61% مقارنة بالمرضى الذين كانت حالة الغدة الزعترية لديهم ضعيفة ومتدهورة.
حماية من أمراض القلب
أظهرت الدراسة أيضا ارتباط الغدة الزعترية بصحة القلب وما يرتبط به، فانخفض خطر الوفاة الناجم عن أمراض القلب والأوعية الدموية لدى الأشخاص الذين كانوا يتمتعون بمستوى صحي أفضل للغدة الزعترية.
وكانت نسبة الوفاة الناجمة عن أمراض القلب والشرايين 7.5% ضمن المشاركين ذوي الغدة الزعترية الأضعف، مقارنة بنسبة 2.9% للأشخاص ذوي الغدة الزعترية الأفضل، أيضا كانت معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية لديهم أقل.
في هذا الصدد وجد الباحثون ارتباط حالة الغدة الزعترية مع مستويات الدهون الثلاثية والكوليسترول وضغط الدم، التي يتسبب ارتفاعها بارتفاع معدل تدهور الغدة الزعترية، بالتالي ارتفاع معدل الإصابة بأمراض القلب والشرايين، بينما ارتبط ارتفاع مستوى البروتين الشحمي مرتفع الكثافة (High-Density Lipoprotein) مع تحسن الحالة الصحية للغدة الزعترية.
تأثير ممتد
واصلت الغدة الزعترية تسجيل نتائج مذهلة ضمن الدراسة لتكشف عن تأثيرها الذي يمتد ليقلل الخطر المصاحب لأمراض أخرى، فانخفض معدل الوفاة من الأمراض الناجمة عن اضطرابات الأيض كالسكري لما يقارب 68% لدى من يتمتعون بغدة زعترية أفضل صحيا.
أما خطر الوفاة الناجم عن مشكلات في الكبد والمرارة والبنكرياس فانخفض لدى الأشخاص ممن يتمتعون بغدة زعترية أفضل صحيا ليكون 54% مقارنة بالغدة الزعترية الأضعف للمشاركين.
الالتهابات والعادات
في محاولة لفهم العوامل التي تقوي أو تضعف الغدة الزعترية، درس الباحثون تأثير الالتهابات المزمنة على صحتها.
وبعد تحليل عينات الدم وقياس مستويات البروتينات الالتهابية، تبين أن ارتفاع الالتهاب المزمن في الجسم يرتبط بتراجع كفاءة الغدة وتسارع تدهورها، ما يزيد من خطر الإصابة بأمراض مثل تصلب الشرايين والسرطان والتهاب المفاصل، خصوصا مع التقدم في العمر.
كما أظهرت النتائج أن نمط الحياة يلعب دورا مهما في كفاءة الغدة الزعترية؛ إذ ارتبطت السمنة، وقلة تناول الألياف، والاعتماد على الكربوهيدرات بتسارع شيخوخة الجهاز المناعي، وهو ما ينعكس سلبا على صحة الغدة.
كذلك يسهم التدخين، والتوتر، وقلة النشاط البدني في إضعاف المناعة ورفع مؤشرات الالتهاب، ما قد يسرع ضمور الغدة وتدهورها.
ومع ذلك، لا تزال العلاقة الدقيقة بين الغدة الزعترية والصحة العامة غير محسومة بشكل قاطع؛ إذ يبقى التساؤل قائما حول ما إذا كان تدهور الصحة يؤدي إلى انكماش الغدة، أم أن ضعف الغدة هو ما ينعكس سلبا على مناعة الجسم ويزيد قابليته للأمراض، وهو ما يتطلب المزيد من الدراسات لتحديد طبيعة هذه العلاقة السببية.
دور في علاج السرطان
في السياق نفسه، كشف فريق دولي من الباحثين في مجالي الطب والذكاء الاصطناعي من الولايات المتحدة وأوروبا وبريطانيا عن نتائج لافتة بشأن دور الغدة الزعترية في تعزيز الاستجابة للعلاج المناعي المستخدم في علاج السرطان.
واستندت الدراسة، التي نُشرت مؤخرا في مجلة نيتشر (Nature)، إلى تحليل صور الأشعة المقطعية (CT) لنحو 3476 مريضا يتلقون مثبطات مناعية لمهاجمة الخلايا السرطانية.
وأظهرت النتائج أن المرضى الذين يتمتعون بغدة زعترية بحالة أفضل حققوا استجابة أعلى للعلاج المناعي، مع تسجيل هذه الفوائد لدى مرضى سرطان الرئة، والميلانوما -أحد أنواع سرطان الجلد- وسرطان الثدي، وسرطان الكلى، وسرطان المثانة.
وأشار الباحثون إلى أن تقييم حالة الغدة الزعترية قد يشكل عاملا حاسما في تحديد المرضى الأكثر ملاءمة للعلاج المناعي، بما يسهم في تحقيق نتائج علاجية أفضل.
استئصال الغدة الزعترية يفاقم الحالة
في دراسة سابقة تدعم نتائج البحث الحالي، أجرى باحثون في الولايات المتحدة تحليلا نُشرت نتائجه في مجلة إن إي جي إم (NEJM) عام 2023، شمل 1146 مريضا بالغا خضع بعضهم لاستئصال الغدة الزعترية، مع متابعة استمرت 20 عاما.
وأظهرت النتائج أن خطر الوفاة ارتفع بمقدار 2.9 مرة لدى من أزيلت لديهم الغدة مقارنة بغيرهم، كما بلغت نسبة الإصابة بالسرطان 7.4% مقابل 3.7% لدى من احتفظوا بها.
وتعزز هذه النتائج الدور الحيوي للغدة الزعترية كعنصر أساسي في الجهاز المناعي، يساهم في الحماية من العديد من الأمراض في مراحل متقدمة من العمر.
وعلى الرغم من تفاوت الحالة الصحية للغدة الزعترية بين الأفراد، واحتمال تأثر ذلك بعوامل وراثية تمنح البعض كفاءة أعلى من غيرهم، فإن تبني نمط حياة صحي -مثل ممارسة الرياضة، والحفاظ على وزن معتدل، والإقلاع عن التدخين- يسهم بشكل واضح في دعم وظائفها وتعزيز الصحة العامة.
وإذا تأكدت العلاقة الإيجابية والمحورية بين الغدة الزعترية وصحة الجسم على المدى الطويل، فإن ذلك يضعها في موقع متقدم بين الأعضاء الحيوية، بعد أن ظلت لفترة طويلة خارج دائرة الاهتمام مقارنة بغيرها من الغدد.




