فلسطين 2025 | الضفة الغربية في مواجهة “الحسم السريع” وانفجار الاستيطان

31 ديسمبر 2025
(شباب اف ام) -

لم يكن عام 2025 بالنسبة للفلسطينيين مجرد سنة أخرى تحت الاحتلال، بل كان “عام الانفجار الاستيطاني”. فبينما كانت الأنظار تتجه نحو التحولات السياسية الكبرى وحرب الإبادة في قطاع غزة، كانت الجرافات والقرارات العسكرية تعيد رسم خارطة الضفة الغربية المحتلة بوتيرة غير مسبوقة.

تحت قيادة اليمين المتطرف، انتقل الاستيطان من سياسة “الزحف الهادئ” إلى “الضم الفعلي”، عبر تشريعات جديدة، ومصادرات واسعة، وشرعنة عشرات البؤر الاستيطانية، ما جعل عام 2025 يسجل أرقامًا قياسية في تاريخ التوسع الاستعماري منذ عام 1967.

أمير داود، مدير دائرة الرصد والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، استعرض في حديث خاص مع “الترا فلسطين” التكلفة البشرية الباهظة، مؤكدًا أن اعتداءات المستوطنين أسفرت عن سقوط 16 شهيدًا منذ بداية عام 2025 وحتى نهايته. مشيرًا إلى أنه حتى نهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر، وصل عدد الاعتداءات من المستوطنين إلى 4927 اعتداء.

وعلى صعيد نهب الأراضي، أوضح داود أنه تمّت مصادرة نحو 5500 دونم من أراضي المواطنين. واللافت في أوامر المصادرة هذا العام، بحسب وصفه، هو “الطابع العسكري والأمني” الذي غلب عليها، حيث أصدر الاحتلال 95 أمرًا عسكريًا لوضع اليد على الأراضي.

وأشار داود إلى أن هذه الأوامر استهدفت بشكل أساسي شق طرق استيطانية، مضيفًا: “عند مراجعة هذه الطرق، نجد أن معظمها شقّها المستوطنون سابقًا، واليوم يسعى الجيش لشرعنتها قانونيًا”. وضرب مثالًا على ذلك بالطريق الذي يستهدف أراضي الأغوار الشمالية بطول 22 كيلومترًا، والذي خُصص له الجيش 10 أوامر عسكرية، بينها 9 أوامر دفعة واحدة، ويشق سهل عاطوف الاستراتيجي.

وحذّر داود من توسع المصادرات بذريعة “الآثار”، مشيرًا إلى صدور أمر “ضخم وغير مسبوق” يستهدف موقع سبسطية في شمال الضفة الغربية بمساحة 1472 دونمًا. كما استعرض داود إعلانات المصادرة تحت مسمى “أراضي الدولة”، وكان أبرزها تلك التي استهدفت شرق رام الله (أراضي المغير)، وشرق قلقيلية، لشرعنة وتوسعة البؤر الاستيطانية “ملاخي هاشلوم” و”حفاد جلعاد”.

كما بيّن داود أن المستوطنين أقاموا أكثر من 80 بؤرة استيطانية في عام 2025، وهو رقم قياسي وغير مسبوق في منهجية إقامة البؤر، إذ كان عام 2024 هو الأكثر على الإطلاق بإقامة 56 بؤرة، قبل أن يتغير الوضع في عام 2025، حيث وصل العدد إلى 84 بؤرة استيطانية.

أما على صعيد المخططات الهيكلية، قال داود: “كان هناك 170 مخططًا هيكليًا في مستوطنات الضفة الغربية في عام 2025، أهمها وأخطرها مخططان ضمن مشروع E1، بنحو 3400 وحدة استيطانية، وهذا يُعد تجاوزًا لخطوط كانت تبدو في السابق أنها حمراء، لكن دولة الاحتلال تجاوزتها في عام 2025”.

وختم داود حديثه بالتنبيه إلى خطورة الإعلانات المتلاحقة لإقامة المستوطنات، حيث شهد شهر شباط/فبراير إعلان 13 حيًا استيطانيًا كمستوطنات مستقلة، تلاه في شهر آذار/مارس إعلان إقامة 22 مستوطنة جديدة، ثم 16 مستوطنة قبل أسبوعين، مؤكدًا أن الخطورة لا تتوقف عند المباني، بل في المساحات الشاسعة التي ستتم مصادرتها لتسوية أوضاع هذه المستوطنات.

من جانبه، سلط حسن مليحات، مدير منظمة “البيدر” للدفاع عن حقوق البدو الفلسطينيين، الضوء على مأساة التهجير القسري، حيث كشف أن عام 2025 شهد تهجير 27 تجمعًا بدويًا فلسطينيًا.

وقال مليحات في تعقيب لموقع “الترا فلسطين” إن هؤلاء المهجّرين يبلغ عددهم نحو 3600 شخص، كانوا يعيشون في مناطق شرق رام الله والقدس وأريحا، ومن أبرزها تجمعات “عرب الكعابنة” في الخان الأحمر ووادي القلط. وأضاف أن هؤلاء السكان فقدوا أراضيهم ومصادر رزقهم، وانتقلوا للعيش في ظروف قاسية لدى أقاربهم في تجمعات أخرى أو قرى قريبة، ما يشكّل عملية تطهير عرقي ممنهجة لإخلاء قلب الضفة من سكانها الأصليين.

وفي قراءة تحليلية للمشهد القانوني والإداري، أكد سهيل خليلية، مدير الأبحاث في معهد الدراسات التطبيقية “أريج”، أن عام 2025 كان الأكثر كثافة من حيث المصادقة على المشاريع الاستيطانية. وأوضح خليلية أن نقطة التحول بدأت عندما تولّى بتسلئيل سموتريتش، منصب الوزير المسؤول عن الإدارة المدنية، حيث عمل فورًا على تغيير القوانين التي كانت “تعيق” النمو الاستيطاني.

وكشف خليلية في حوار خاص مع “الترا فلسطين” أن مراحل التخطيط والبناء، التي كانت تستغرق سنوات وتمر بـ 17 مرحلة، جرى اختزالها إلى مرحلتين أو ثلاث فقط، ليصبح المشروع يمر في أسابيع أو أشهر بدلًا من سنوات.

وتابع خليلية قائلًا: “لجان التخطيط التي كانت تجتمع أربع مرات في السنة، أصبحت الآن تجتمع أسبوعيًا”. وقد أدى هذا التغيير، بحسب قوله، إلى المصادقة على رقم مهول يصل إلى 95 ألف وحدة استيطانية في الضفة الغربية والقدس الشرقية منذ تشكيل هذه الحكومة.

ولفت خليلية إلى تغييرات قانونية أخرى وصفها بالخطيرة، مثل مشروع “تسوية الأراضي” في مناطق “ج”، الذي يضع عبء إثبات الملكية على الفلسطيني، والسماح بتسجيل الأراضي بأسماء مستوطنين بصفتهم الشخصية.

وأكد أن سموتريتش، بصفته وزيرًا للمالية، استطاع تخصيص ميزانيات ضخمة لشرعنة البؤر الاستيطانية وإمدادها بالبنية التحتية من كهرباء ومياه وطرق، ما جعل الجيش “يعمل فعليًا كأجير لدى المستوطنين”.

وأكد خليلية أن الخطورة تكمن في إحياء مشاريع استراتيجية كانت مجمّدة لعقود، أبرزها مشروع E1، وتوسيع مستوطنة “هار جيلو”، والمصادقة على مستوطنة “عطروت” بواقع 9 آلاف وحدة استيطانية؛ وهي خطوات تفتح الطريق فعليًا لتنفيذ مخطط “القدس الكبرى” عبر ربط الكتل الاستيطانية المحيطة بالمدينة.

وأضاف خليلية أن شرعنة البؤر أتاحت للاحتلال الاستيلاء على مئات آلاف الدونمات، حيث يتم فورًا وضع مخططات هيكلية ومدّ خطوط الكهرباء والمياه وشق الطرق لتلك البؤر. واختتم مشددًا على أن هذا الواقع حوّل دور الجيش إلى “أداة تنفيذية” تعمل في خدمة المستوطنين لتثبيت البنية التحتية والسيطرة الكاملة على الأرض.

ولفت خليلية إلى ما يجري من إعادة استيطان في شمال الضفة الغربية، ومن بينها أربع مستوطنات جرى إخلاؤها عام 2005 في محافظة جنين، وهي: صانور، وحومش، وجاديم، وغانيم، حيث بدأ بناء حومش، ثم جرى التحرك نحو المستوطنات الأخرى.

في السياق الاستراتيجي، حذّر الخبير في قضايا الاستيطان والخرائط خليل التفكجي، من خطورة ملف ضم مستوطنة “معاليه أدوميم” وما يُعرف بمشروع E1، بوصفه أحد أبرز المشاريع الاستيطانية في عام 2025.

وأوضح التفكجي في تعقيب لموقع “الترا فلسطين” أن هذا المشروع يهدف إلى تطويق القدس بحزام استيطاني ثالث لضمّها بالكامل، وتحويل الفلسطينيين فيها إلى أقلية ديمغرافية. وشدد على أن الهدف “الثانوي غير المعلن” هو فصل شمال الضفة عن جنوبها تمامًا، وفرض واقع “ازدواجية البنية التحتية”، حيث تُنشأ طرق سريعة للمستوطنين، وطرق ملتوية ومعقدة للفلسطينيين، كأداة للسيطرة.

وكشف التفكجي عن مشاريع كبرى مرافقة لـ E1، من بينها مطار في منطقة النبي موسى يستوعب 35 مليون مسافر سنويًا، مؤكدًا أن الهدف هو تحويل القدس من مدينة هامشية إلى “قلب الدولة” العبرية.

وحذّر في ختام حديثه من أن تنفيذ مخطط ضمّ الكتل الاستيطانية الكبرى (غوش عتصيون، جفعات زئيف، ومعاليه أدوميم) سيرفع مساحة القدس إلى 193 كيلومترًا مربعًا، أي ما يعادل 10% من مساحة الضفة الغربية، وهو واقع جغرافي سيصعب التراجع عنه مستقبلًا.

يُطوى عام 2025 على واقع مرير، حيث أعلن وزير المالية الإسرائيلي قبل أيام عن شرعنة 69 بؤرة استيطانية خلال عام واحد، وهو رقم قياسي يعكس رغبة الاحتلال في حسم الصراع ميدانيًا. هذه المعطيات، بدءًا من البؤر الـ84 الجديدة وصولًا إلى مخططات القدس الكبرى، تؤكد أن الضفة الغربية لم تعد تواجه استيطانًا تقليديًا، بل مخططًا شاملًا يهدف إلى تصفية الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة “ج”، وحصر السكان في معازل جغرافية مقطّعة الأوصال.

المصدر: ألترا فلسطين

ي.ك