أكدت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أن ما يجري في الضفة الغربية لم يعُد توترًا عابرًا أو عنفًا استيطانيا موسميًا يمكن احتواؤه، بل مسارًا منظمًا ومتواصلًا يعكس سياسة إسرائيلية واضحة لفرض وقائع دائمة على الأرض، بما يحوّل الضم من مشروع سياسي مؤجل إلى ممارسة يومية فعلية.
ووفق الصحيفة، فإن تصاعد الاعتداءات بعد انتهاء موسم قطاف الزيتون، يؤكد أن العنف ليس ظرفيًا، بل جزءًا من أسلوب ممنهج يُستخدم فيه العنف لفرض السيطرة وتغيير الواقع الميداني، تحت غطاء أمني وروايات رسمية تُفرغه من مضمونه الحقيقي.
وقالت صحيفة “هآرتس” إن ما تشهده الضفة الغربية في المرحلة الراهنة لا يمكن توصيفه كجولة توتر عابرة أو كموجة عنف موسمية مرتبطة بقطاف الزيتون، كما درجت المؤسسة الإسرائيلية على الترويج. ووفق الصحيفة، فإن الواقع القائم يشير إلى مسار مختلف وأكثر خطورة، يتمثل في عنف متصاعد ومنظم ومتواصل، يعكس سياسة واضحة تهدف إلى فرض وقائع دائمة على الأرض، بما يحوّل ضم الضفة الغربية من فكرة سياسية مؤجلة إلى ممارسة يومية تُنفّذ فعليًا بعيدًا عن أي إعلان رسمي.
وأضافت الصحيفة أن الرواية الأمنية الإسرائيلية التقليدية، التي اعتادت تصوير مثل هذه الأحداث كحالات انفجار مؤقتة في “فترات حساسة”، فقدت مضمونها بالكامل. فموسم قطاف الزيتون انتهى منذ وقت، لكن العنف لم يتراجع، بل ازداد حدة وانتشارًا. الاعتداءات على رعاة الأغنام والمزارعين والعائلات الفلسطينية في القرى مستمرة، واستهداف المدنيين العزّل بات مشهدًا شبه يومي. ولم يعد المعتدون يكتفون بالحجارة أو العصي، بل يستخدمون السلاح الناري وغاز الفلفل ووسائل التخريب والحرق، حيث يُصاب المدنيون، وتُذبح الأغنام، وتُقتلع الأشجار، في مشهد يجعل كل ما هو فلسطيني عرضة للاعتداء.
وأشارت “هآرتس” إلى أن أحداث الأيام الأخيرة تعكس هذا الواقع بوضوح. ففي إحدى الليالي، اقتحم خمسة إسرائيليين منزل عائلة فلسطينية في السموع في الخليل، واعتدوا على الأم وأطفالها، كما هاجموا أغنام العائلة.
ولفتت الصحيفة إلى أن إيذاء الحيوانات لم يعد حادثة استثنائية، بل تحوّل إلى نمط متكرر. وفي حادثة أخرى، أطلق مستوطن النار على فلسطينيين قرب مستوطنة “عناتوت”، ما أدى إلى إصابات خطِرة. واعتبرت الصحيفة أن هذه الوقائع ليست حالات معزولة، بل تعكس استخدامًا مستهترًا للسلاح العسكري ضد المدنيين الفلسطينيين، سواء من قبل الجنود أو المستوطنين، في وقت تُعاد فيه صياغة الرواية الرسمية الإسرائيلية دائمًا لتقديم الأحداث على أنها “اشتباكات” أو “رشق بالحجارة” بهدف تبرير النتائج.
وبحسب الصحيفة، فإن جوهر المشكلة يكمن في الطريقة التي تُؤطر بها المنظومة الأمنية والقيادة السياسية هذا العنف. فتقديمه على أنه أفعال تقوم بها “قلّة صغيرة أو شبان التلال أو متطرفون هامشيون لا يمثلون المستوطنين، هو تضليل متعمد”. فالمسألة، وفق هآرتس، لا تتعلق بغياب التطرف، بل بكونه يعمل ضمن غلاف من السياسة الرسمية التي تغضّ الطرف عنه، وتوفر له الحماية، وأحيانًا تمنحه دعمًا ضمنيًا.
ومجموعات فتية التلال، هو المصطلح الذي يطلق على تنظيم “جباية الثمن الإرهابي”، الذي ينفذ هجمات تستهدف الفلسطينيين وممتلكاتهم ومقدّساتهم.
كما أكدت “هآرتس” أن ما يُسمى بـ “الردع” في الضفة الغربية يُمارَس عمليًا ضد الفلسطينيين فقط، في حين لا يشعر المستوطنون “العنيفون” بأي تهديد حقيقي. فالجيش والشرطة وأجهزة الأمن موجودون في الميدان، لكن وجودهم لا يوفّر الحماية للفلسطينيين، بل غالبًا ما يعزز شعور المعتدين بالحصانة. الفلسطيني الذي يحمل سلاحًا يصبح هدفًا فوريًا، بينما تُميَّع قضايا المستوطنين المسلحين الذين يعتدون على الفلسطينيين، إما عبر فتح تحقيقات بطيئة، أو إغلاق الملفات من دون تقديم لوائح اتهام. واعتبرت الصحيفة أن هذا الواقع لا يعكس فوضى، بل تمييزًا واضحًا في تطبيق القانون.
وفي هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى أن السلطة الفلسطينية “فقدت أي دور فعلي، إذ لا تستطيع أجهزتها الأمنية الاقتراب من مناطق الاحتكاك، وأحيانًا تخشى ذلك. كما تفشل المبادرات المحلية لتشكيل لجان حراسة في القرى، إما بسبب الاعتقالات، أو بسبب عنف الجيش، أو لأن مواجهة مستوطنين مسلحين يتمتعون بالحصانة أمر مستحيل عمليًا”. والرسالة التي تصل إلى الفلسطينيين، وفق الصحيفة، واضحة: لا أحد يحميكم.
ولفتت “هآرتس” إلى أنه بالتوازي مع هذا العنف، تمضي السياسة الحكومية الإسرائيلية قدمًا بخطى ثابتة. فمصادقة الكابينيت على تسوية 19 بؤرة استيطانية جديدة، بعد تسوية عشرات البؤر خلال السنوات الأخيرة، وضخ عشرات المليارات من الشواكل في البنية التحتية في الضفة الغربية، ليست إجراءات تقنية أو إدارية، بل أجزاء من مشروع واحد يهدف إلى تنفيذ الضم فعليًا من دون إعلان رسمي، وتحت ذريعة دائمة هي “الأمن”.
أما على الصعيد الدولي، فرأت الصحيفة أن الرهان عليه تبيّن أنه وهم. “فلا الأمم المتحدة ولا مؤسساتها، ولا المحكمة الجنائية الدولية، ولا أوروبا التي تتغنى بالقيم، ولا حتى القوى الدولية الصاعدة كالصين، قدمت حماية حقيقية للفلسطينيين. كما أن الاعتماد على الدول العربية لم يعد ذي جدوى، ومن يشكك في ذلك، فليسأل الفلسطينيين في غزة”.
وخلصت “هآرتس” إلى أن الكرة باتت في ملعب رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب. “فإذا كان لا يزال مقتنعًا بأنه لا يوجد ضمّ في الضفة الغربية، وبأنه حقق سلامًا تاريخيًا في الشرق الأوسط فعليه أن ينظر إلى ما يجري على الأرض، إلى الأفعال لا الخطابات. فقد تكون الحرب في غزة توقفت، رغم أن آثارها ستلاحق سكانها لسنوات طويلة، لكن في الضفة الغربية تتطور حرب أخرى، أقل ضجيجًا، لكنها لا تقل تدميرًا في نتائجها”.
وختمت الصحيفة بالتشديد على “أن السلام لا يمكن أن يُبنى على عنف يومي، وتهجير تدريجي، وحرمان جماعي من الحماية”. مؤكدة “أن هذا ليس توصيفًا نظريًا، بل واقعًا مكشوفًا لم يعد بالإمكان إخفاؤه في الضفة الغربية منذ زمن”.
المصدر:الترا فلسطين
س.ب

