في إطار جهود تعزيز الحوكمة والنزاهة في إدارة المال العام في فلسطين، عقد الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة “أمان” جلسة نقاش موسّعة لعرض ومناقشة مسودة تقرير جديد بعنوان “النزاهة والشفافية والمساءلة في إدارة وتنمية أموال اليتامى”، وذلك بالشراكة الإعلامية مع إذاعة شباب إف إم. واستضافت الحلقة الحوارية كلًا من صمود البرغوثي، مديرة الدراسات والرصد في ائتلاف أمان، وأمجد المصري، المدير العام لمؤسسة إدارة وتنمية أموال اليتامى.
أوضحت البرغوثي أنّ هدف التقرير لا يتمثل في تقييم جودة الخدمات المقدّمة للأيتام من قبل المؤسسة، بقدر ما يركّز على فحص معايير النزاهة والشفافية والمساءلة في إدارة أموال فئة شديدة الحساسية في المجتمع، هي فئة اليتامى. وبيّنت أن أموال اليتامى، وإن كانت قانونيًا أموالًا خاصة، إلا أنّ إدارتها من قبل مؤسسة عامة وبقرارات صادرة عن القضاء الشرعي يجعلها أقرب إلى المال العام من حيث وجوب الخضوع لأعلى معايير الحوكمة، ولا سيما أن استثمار هذه الأموال وتنميتها يسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وخلق مشاريع تنموية يستفيد منها الأيتام عند بلوغهم سن الرشد.
وتطرّقت البرغوثي إلى السياق العام الذي جاء فيه التقرير، مشيرة إلى أن مؤسسة إدارة وتنمية أموال اليتامى تدير أموال نحو 23 ألف يتيم، بقيمة تقدَّر بحوالي 60 مليون دولار، في الضفة الغربية وقطاع غزة. وأشارت إلى أن الحرب الإبادية على قطاع غزة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 فاقمت حساسية الملف، في ظل عدم توافر تحديث شامل ونهائي للأرقام والميزانيات الخاصة بأموال اليتامى المتأثرة بالحرب، وفق ما أفادت به المؤسسة خلال إعداد التقرير.
وعن الجانب التشريعي، بيّنت البرغوثي أن عمل المؤسسة محكوم بأحكام الشريعة الإسلامية من حيث طبيعة الاستثمارات، إلا أن التقرير وقف على فترة طويلة من “عدم الاستقرار التشريعي” قبل عام 2023، نتيجة تعدد المرجعيات القانونية وكثرة التعديلات على القرارات بقوانين التي تنظّم عمل المؤسسة. وأكدت أنه مع صدور القرار بقانون رقم 10 لسنة 2023 أصبح هذا القرار المرجعية القانونية الأساسية، غير أن المرحلة السابقة عكست إرباكًا في الإطار الناظم لعمل المؤسسة، ما يستدعي تكريس استقرار تشريعي أكبر بما يدعم فعالية الإدارة والاستثمار.
وفي ما يتصل بمنظومة النزاهة داخل المؤسسة، أشارت ممثلة أمان إلى جملة من التحديات، من بينها غياب سياسات مكتوبة ومقَرّة لمنع تضارب المصالح وتنظيم قبول الهدايا لأعضاء مجلس الإدارة والعاملين، وعدم وجود مدونة سلوك معتمدة رغم وجود أسس لها في النظام الإداري الداخلي. كما سجّل التقرير ضعفًا في نشر التقارير السنوية والبيانات المالية والموازنات على الموقع الإلكتروني للمؤسسة وبين جمهور المستفيدين، وخصوصًا الأيتام وذويهم، الأمر الذي يقلل من مستوى الشفافية المفترض في مؤسسة تدير أموالًا بحجم كبير لهذه الفئة الحساسة.
أكدت البرغوثي أن جلسة النقاش خرجت بعدد من التوصيات، كان من أبرزها مطالبة مجلس الوزراء بالإسراع في إقرار النظام المالي والإداري للموظفين، الموجود على طاولة الحكومة منذ عام 2016، لما له من أثر مباشر على استقلالية المؤسسة وتنظيم حقوق العاملين وحوكمتهم. كما أوصى الائتلاف بإقرار نظام داخلي لمجلس الإدارة يعزز الحيادية والشفافية، واعتماد أنظمة واضحة لمنع تضارب المصالح وتنظيم الهدايا ومدونة سلوك للعاملين، إلى جانب تعزيز التعاون مع هيئة مكافحة الفساد وتنظيم برامج توعوية داخلية حول إدارة مخاطر الفساد في مؤسسة تدير وتستثمر وتنمّي أموال اليتامى.
من جانبه، قدّم أمجد المصري، المدير العام لمؤسسة إدارة وتنمية أموال اليتامى، توضيحات موسّعة حول طبيعة عمل المؤسسة واستثماراتها، مؤكدًا احترامه لجهود أمان، لكنه اعتبر أن ما نُشر من ملخص على موقع الائتلاف لا يعكس كامل النقاش الذي دار في الجلسة ولا الصورة الكاملة لعمل المؤسسة. وشدّد على أن المؤسسة محوكَمة وتعمل وفق أنظمة داخلية أُعدّت بالتعاون مع إحدى الشركات القانونية، تشمل نظامًا ماليًا وإداريًا وسياسة ائتمانية واستثمارية، وأن العديد من هذه المسودات جرى رفعه لمجلس الإدارة تمهيدًا لاعتمادها بشكل نهائي من الجهات المختصة.
أوضح المصري أن المؤسسة أُنشئت بموجب قرار قانون رقم 14 لسنة 2005 كـ”وقف شرعي” لإدارة أموال اليتامى، وأن علاقتها بالأموال تبدأ من لحظة صدور قرار من القضاء الشرعي يحصر التركة ويحوّل نصيب القُصّر (تحت سن 18 عامًا) إلى المؤسسة. وبيّن أن دور المؤسسة يقوم على حفظ المال من الضياع أو التبديد من جهة، واستثماره في قطاعات استثمارية مجدية في السوق الفلسطيني من جهة أخرى، وفق أحكام الشريعة الإسلامية، بحيث تُعدّ المؤسسة “حافظًا أمينًا” على هذه الأموال إلى حين استحقاقها لأصحابها.
وبحسب المصري، تبلغ حقوق الأيتام لدى المؤسسة حاليًا نحو 63.5 مليون دولار، فيما تصل موجوداتها الإجمالية إلى ما يقارب 92 مليون دولار، موزعة على استثمارات داخلية وخارجية، تشمل المساهمة في شركات فلسطينية عامة، من بينها شركات تأمين واستثمار واتصالات، إلى جانب محفظة تمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة تقدَّر قيمتها بحوالي 15 مليون دولار، واستثمارات في بعض الأسواق العربية الإسلامية، مع الالتزام بعدم الاستثمار في شركات أو أنشطة مخالفة لأحكام الشريعة. وأشار إلى وجود مراقب شرعي تُعرض عليه جميع الاستثمارات المقترحة قبل إقرارها من مجلس الإدارة.
وقد نفى المصري وجود أي شبهات فساد أو بلاغات رسمية بحق المؤسسة لدى هيئة مكافحة الفساد، مؤكدًا أن المؤسسة التزمت على مدار سنوات بالتجاوب مع أي متطلبات من الهيئة أو الجهات الرقابية، وأن جميع قراراتها الاستثمارية تمر عبر لجان مختصة وصولًا إلى مجلس الإدارة. كما شدّد على أن المؤسسة مستقلة ماليًا وإداريًا، رغم انتظارها إقرار النظام المالي والإداري من مجلس الوزراء، وأن العمل يسير وفق أنظمة داخلية معمول بها عمليًا إلى حين اعتمادها رسميًا.
وفي ما يتعلق بنشر البيانات المالية، أقرّ المصري بتأخر إصدار التقرير المالي للعام 2024، مبررًا ذلك بتأخر انتهاء أعمال التدقيق من قبل شركة التدقيق، ومؤكدًا أن المؤسسة تتجه لتعزيز حضورها الإعلامي والرقمي، وأنها بدأت بالفعل حملة إعلامية للتعريف بعملها بالشراكة مع المركز الإعلامي القضائي، مع التعهّد بنشر البيانات المالية على المنصات الإلكترونية فور استكمال إجراءات التدقيق والاعتماد.
الحلقة، التي بُثّت عبر أثير شباب إف إم وعلى منصاتها الرقمية بالشراكة مع ائتلاف أمان، أعادت تسليط الضوء على أهمية إخضاع المؤسسات التي تدير المال العام أو ما يقترب منه، مثل أموال اليتامى، لأعلى درجات الشفافية والمساءلة، بما يضمن حماية حقوق اليتامى وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسساتهم، ويفتح في الوقت نفسه نقاشًا بنّاءً بين مؤسسات الرقابة والمساءلة من جهة، والمؤسسات المشغّلة والجهات الرسمية من جهة أخرى، في سبيل تطوير التشريعات والسياسات والممارسات على حد سواء.

