شدّد الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان على الأهمية البالغة لإقرار قانون عصري للحق في الحصول على المعلومات في فلسطين، قانون يضمن للمواطنين حقهم في الوصول إلى المعلومات ويعزز مشاركتهم في إدارة الشأن والمال العام، مؤكدين في الوقت نفسه أن الصيغة الحالية لمشروع قانون 2025 ما تزال تحمل ثغرات جدية تستوجب المعالجة قبل اعتماده بصيغته النهائية.
وجاءت هذه المواقف خلال حلقة إذاعية خاصة بثّتها إذاعة شباب إف إم بالشراكة مع ائتلاف أمان، وناقشت مشروع القانون المطروح للنقاش العام، بمشاركة المدير التنفيذي لائتلاف أمان عصام حج حسين، والباحث القانوني في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان طاهر المصري.
وفي مداخلته، أكد عصام حج حسين أن الحق في الحصول على المعلومات أصبح ضرورة وطنية في ظل الأزمات التي يمر بها الفلسطينيون، وليس مجرد مطلب ديمقراطي. وأوضح أن إدارة الشأن العام والمال العام تحتاج إلى شفافية كاملة تُمكن المواطنين من الاطلاع على الموازنات والضرائب والإنفاق العام، مشيراً إلى أن توفر المعلومات هو الأساس لأي عملية مساءلة أو رقابة، خصوصاً في غياب المجلس التشريعي.
ولفت حج حسين إلى أن مشروع القانون طُرح لأول مرة قبل أكثر من عشرين عاماً، لكنه لم يقرّ رغم وجود توافق واسع حوله، محذراً في الوقت ذاته من الاستمرار في استخدام آلية “القرار بقانون” في ظل غياب التشريعي لما تحمله من تجاوز للنهج التشريعي السليم. ومع ذلك، شدد على ضرورة إقرار القانون الآن لحماية الأمن القومي عبر ضمان وصول المعلومات من مصادرها الموثوقة وتجنب الإشاعات.
وأشار إلى أن أبرز الإشكاليات في الصياغة الحالية تتمثل في الاستثناءات الفضفاضة التي تتعلق بمفاهيم عامة مثل “الأمن الوطني” و“الاقتصاد الوطني” و“المصلحة العامة”، وهي عبارات قد تُستخدم لحرمان المواطنين من المعلومات إذا بقيت دون تحديد واضح. وأضاف أن المشروع يمنح الأولوية لقوانين أخرى ذات طابع سري أو أمني عند التعارض، ما قد يُفرغ القانون الجديد من محتواه، مؤكداً أن الأصل يجب أن يكون ضمان الإتاحة وليس التقييد. كما انتقد التوجه لإنشاء مفوضية جديدة للحق في الحصول على المعلومات، معتبراً أن لجنة مختصة قد تكون بديلاً أكثر واقعية من حيث التكلفة والفعالية.
من جهته، أوضح الباحث القانوني طاهر المصري أن الهيئة المستقلة تنظر بترحيب مبدئي نحو إصدار قانون ينظم الحق في الوصول إلى المعلومات، باعتباره حقاً أساسياً مرتبطاً بالشفافية والمساءلة ويتوافق مع التزامات دولة فلسطين الدولية. لكنه أكد أن مشروع القانون الحالي يتضمن مخالفة واضحة لمبدأ هرمية التشريع عبر منحه الأولوية لقوانين أخرى عند التعارض، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تعطيل حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.
وأضاف المصري أن الاستثناءات الواردة في المادة 16 مصاغة بلغة عامة قابلة للتأويل، بما يتيح مساحة كبيرة للسلطة التقديرية لدى الجهات الرسمية، وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية التي تشدد على أن الأصل هو الإباحة وأن الاستثناء يجب أن يكون محدداً ودقيقاً. كما أشار إلى أن العقوبات المالية الواردة في القانون قد تدفع الموظفين إلى الامتناع عن تزويد المعلومات خشية الوقوع تحت طائلة المسؤولية، الأمر الذي يجعل هذه العقوبات تحد من الحق بدل أن تحميه. وانتقد أيضاً غياب نص يوضح المدة الزمنية التي تُرفع بعدها السرية عن المعلومات، خلافاً لما هو معمول به في القوانين المقارنة.
وفي ختام الحلقة، دعا ضيفاها الحكومة الفلسطينية إلى تبني ملاحظات المجتمع المدني وإدراجها في النسخة النهائية للقانون، وضمان عدم إدخال تعديلات تقوّض التوافقات التي خرج بها النقاش العام خلال انتقال المشروع بين مجلس الوزراء والرئاسة. وشدد المتحدثان على أن فلسطين بحاجة إلى قانون عصري ومتكامل ينسجم مع المواثيق الدولية ويحمي حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات بوصفه ركيزة أساسية للحكم الرشيد وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

