مسودة تقرير لـ”أمان”: إشكاليات في استقلال النيابة العامة الفلسطينية وانعكاساتها على نزاهة الحكم وحقوق المواطنين

مسودة تقرير لـ"أمان": إشكاليات في استقلال النيابة العامة الفلسطينية وانعكاساتها على نزاهة الحكم وحقوق المواطنين
27 نوفمبر 2025
(شباب اف ام) -

ناقش ائتلاف أمان – الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة – خلال لقاء حواري تشاوري، مسودة تقرير بعنوان “واقع استقلالية النيابة العامة الفلسطينية وأثر ذلك على النزاهة في الحكم”. وشارك في اللقاء ممثلون عن ديوان الرقابة المالية والإدارية، وهيئة مكافحة الفساد، والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، ونقابة المحامين، وعدد من مؤسسات المجتمع المدني المهتمة بمنظومة العدالة وسيادة القانون وحماية الحريات وحقوق الإنسان، بهدف بلورة سياسات إصلاح لمركز النيابة العامة وتعزيز دورها في نزاهة الحكم في فلسطين.

النيابة العامة حجر الزاوية في منظومة العدالة
وأوضح المستشار القانوني في ائتلاف أمان، بلال البرغوثي، في مداخلة عبر الهاتف ضمن برنامج “يوم جديد” على شباب إف إم، أن النيابة العامة تُعد “حجر الزاوية في منظومة العدالة”، فهي الجهة المسؤولة عن تحريك الدعوى الجزائية باسم المجتمع، وحماية الصالح العام، وضمان احترام سيادة القانون، وصون الحقوق والحريات الأساسية.

وأشار البرغوثي إلى أن النصوص القانونية الناظمة لعمل النيابة العامة – في القانون الأساسي وقانون السلطة القضائية – تنص نظريًا على استقلاليتها، إلا أن الواقع العملي يكشف عن “فجوات عميقة” بين النص والتطبيق، في ظل تعقيدات البيئة السياسية والدستورية وغياب الاستقرار المؤسسي، وتعطّل المجلس التشريعي، ما ألقى بظلاله على استقلال النيابة وفعالية دورها.

وبيّن أن آليات تعيين النائب العام ومعاونيه ما زالت خاضعة عمليًا لإرادة السلطة التنفيذية، في ظل غياب مشاركة حقيقية للمجلس التشريعي أو جهة مستقلة في عملية التعيين، الأمر الذي يفتح الباب أمام المحاصصة والتأثيرات أو التوصيات السياسية في بعض الحالات، ويُضعف الضمانات المؤسسية لاستقلال المنصب.

انعكاسات على ثقة الجمهور ومكافحة الفساد

ولفت البرغوثي إلى أن النيابة العامة لا تزال تعمل في إطار قانوني “غير مكتمل”، في ظل غياب قانون خاص وشامل ينظم عملها وبُنيتها واستقلاليتها المالية والإدارية، ما يجعلها أكثر عرضة لتدخلات السلطة التنفيذية، ويؤثر على ثقة الجمهور بمنظومة العدالة ككل.

كما أشار إلى وجود ضعف في الإطار الناظم للنيابات المتخصصة، وغياب تنسيق فعّال في قضايا حساسة مثل قضايا الفساد، والجرائم الاقتصادية، والجرائم الإلكترونية، إضافة إلى بطء ملاحقة قضايا الفساد، خاصة حين يتعلق الأمر بمسؤولين كبار، مع ضعف آليات الرقابة الداخلية على قرارات النيابة.

تأثير الاستقلالية على حماية حقوق الإنسان

من جانبه، أكد المستشار القانوني في مؤسسة الحق أشرف أبو حية أن استقلال النيابة العامة يرتبط مباشرة بقدرتها على حماية الحقوق والحريات العامة، خاصة في القضايا المتعلقة بالتوقيف وحرية الرأي والتعبير والحقوق الشخصية.

واستعرض أبو حية تجارب سابقة في السياق الفلسطيني، خصوصًا بعد الانقسام السياسي عام 2007، حيث طُرحت قضايا تتعلق بتوقيف مواطنين على خلفيات سياسية أو مرتبطة بحرية التعبير، وأخرى تتعلق بالوظيفة العامة وفصل موظفين من الخدمة.

وأشار إلى وجود ظاهرة مستمرة تتعلق بإعادة توقيف بعض المفرج عنهم بعد صدور قرارات قضائية بإخلاء سبيلهم، من خلال فتح ملفات أو اتهامات جديدة، بدل احترام قرارات المحاكم وتنفيذها فورًا، وهو ما يمس بمبدأ سيادة القانون ويُضعف ثقة المواطنين بمنظومة العدالة.

وشدّد أبو حية على أن البحث في استقلال النيابة العامة لا يمكن فصله عن استقلال السلطة القضائية ككل، وعن غياب المجلس التشريعي، والحاجة إلى إصلاح شامل لمنظومة العدالة والفصل بين السلطات.

توصيات اللقاء والتوجهات الإصلاحية

وخلص اللقاء التشاوري إلى مجموعة من التوصيات، من أبرزها:

  • الإسراع في إقرار قانون خاص ينظم عمل النيابة العامة، يحدد صلاحياتها وعلاقتها بالسلطتين التنفيذية والقضائية بشكل واضح.

  • تعديل التشريعات الناظمة لتعيين النائب العام ومعاونيه، بما يضمن إجراءات شفافة قائمة على الجدارة والمسابقة، وبإشراف جهة قضائية مستقلة ودور رقابي للسلطة التشريعية.

  • اعتماد موازنة مالية مستقلة للنيابة العامة ضمن موازنة السلطة القضائية، بما يعزز استقلالها المالي والإداري.

  • إنشاء وحدة رقابة وتفتيش داخلي ملزمة بإصدار تقارير دورية حول الأداء وقرارات الحفظ والإحالة.

  • تعزيز الكادر المتخصص في قضايا الفساد والجرائم الاقتصادية والإلكترونية، بناءً على معايير مهنية وتدريب مستمر.

  • إلزام النيابة العامة بنشر إعلانات الوظائف والتعيينات على بوابة إلكترونية رسمية، وإصدار تقرير سنوي مفصل للرأي العام يتضمن إحصاءات حول عملها.

  • تطوير آليات الطعن في قرارات النيابة العامة، بما يضمن حق المتضررين في المراجعة الفعلية أمام جهات قضائية مستقلة.

  • توسيع الشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني وتعزيز دورها الرقابي على أداء النيابة العامة، وتوقيع بروتوكولات تعاون مع الجهات المعنية بمكافحة الفساد لتقليل الازدواجية في الإجراءات.

واختُتم اللقاء بالتأكيد على أن تعزيز استقلال النيابة العامة يشكّل مدخلًا أساسيًا لترسيخ نزاهة الحكم، وحماية حقوق المواطنين، واستعادة ثقة الجمهور بمنظومة العدالة في فلسطين.