دعا الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة «أمان» إلى وضع ضوابط أكثر وضوحًا لمهمات السفر الخارجي للموظفين العموميين، وتحديد سقف لعدد المشاركات السنوية، ونشر بيانات تفصيلية حول تكاليفها، بما يضمن ترشيد الإنفاق العام، وتكافؤ الفرص، ومنع ازدواجية صرف المخصصات المالية.
جاء ذلك خلال لقاء خاص بثته شباب إف إم، بالشراكة مع ائتلاف أمان، مع الدكتور فادي ربايعة، الباحث ومعد دراسة «مخاطر الفساد في مهمات السفر الخارجي وسبل ضبط الإنفاق العام»، التي نوقشت ضمن مؤتمر الموازنة العامة لعام 2026، الذي عقده الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة العامة.
وأوضح ربايعة أن الدراسة لا تتناول حالات فساد مثبتة أو تتهم جهات أو أشخاصًا بعينهم، وإنما تعمل على تشخيص مواطن الضعف والثغرات التي قد تشكل مدخلًا لمخاطر الفساد، بهدف معالجتها قبل تحولها إلى ممارسات فعلية.
غياب البيانات يضعف الرقابة على الإنفاق
وبيّن ربايعة أن من أبرز التحديات التي واجهت إعداد الدراسة صعوبة الوصول إلى البيانات المالية التفصيلية المتعلقة بتكاليف المهمات الرسمية والدورات الخارجية، مشيرًا إلى أن غياب هذه البيانات أو عدم إتاحتها بصورة واضحة يحدّ من قدرة الباحثين والجهات الرقابية والمواطنين على تقييم حجم الإنفاق ومدى ارتباطه بأولويات المؤسسات الحكومية.
وأضاف أن نفقات السفر الخارجي تندرج ضمن النفقات التشغيلية للموازنة العامة، ما يستدعي إظهارها بصورة تفصيلية في بيانات وزارة المالية وتقاريرها الدورية، بدلًا من بقائها ضمن أرقام إجمالية لا تتيح معرفة الكلفة الفعلية لكل مؤسسة أو مهمة.
وقال إن الشفافية في نشر المعلومات لا تضعف المؤسسات الحكومية، بل تعزز ثقة المواطنين بها وتساعد على تقييم جدوى الإنفاق، لا سيما في ظل الأزمة المالية التي تواجهها الحكومة الفلسطينية.
آلاف المهمات والدورات خلال ثلاث سنوات
وبحسب الأرقام التي عرضها الباحث، سجلت الجهات الحكومية المرتبطة بديوان الموظفين العام خلال الفترة من عام 2023 إلى عام 2025 نحو 2,784 مهمة رسمية خارجية، إلى جانب 1,420 دورة تدريبية خارجية.
وأشار إلى أن هذه الأرقام لا تشمل جميع المؤسسات العامة التابعة للدولة، كما لا تشمل المهمات والدورات الخاصة بالأجهزة الأمنية والشرطية، ما يعني أن الحجم الإجمالي للسفر الرسمي الخارجي قد يكون أكبر من الأرقام التي تمكنت الدراسة من الوصول إليها.
وبناءً على حسابات تقديرية شملت 84 وزارة ومؤسسة حكومية، قدّر ربايعة الحد الأدنى للإنفاق السنوي على المهمات الرسمية والدورات الخارجية بنحو 50 مليون شيكل، مؤكدًا أن هذا الرقم تقديري في ظل عدم توافر البيانات المالية التفصيلية الكاملة.
غياب سقف لمشاركة الموظف الواحد
وتطرقت الدراسة إلى وجود تفاوت بين الضوابط المتعلقة بالدورات التدريبية الخارجية وتلك المتعلقة بالمهمات الرسمية.
وأوضح ربايعة أن الدورات الخارجية تخضع، بحسب الأطر المعمول بها، لسقف محدد لمشاركة الموظف، مع وجود لجنة مختصة تدرس حالات الإيفاد والاستثناءات. في المقابل، لا يوجد سقف مماثل لعدد المهمات الرسمية الخارجية التي يمكن أن يشارك فيها الموظف الواحد خلال العام.
وحذّر من أن غياب هذا السقف قد يؤدي إلى تكرار سفر عدد محدود من الموظفين مرات عديدة خلال العام، في الوقت الذي لا تتاح فيه الفرصة لموظفين آخرين، الأمر الذي يضعف مبدأ تكافؤ الفرص ويحد من استفادة المؤسسات الحكومية من تطوير قدرات أكبر عدد ممكن من العاملين فيها.
وأشار إلى أن اختيار الموظفين للمهمات الرسمية يخضع في كثير من الحالات للسلطة التقديرية للوزير أو رئيس الدائرة الحكومية، من دون وجود لجنة أو معايير معلنة لتقييم المرشحين ومدى ارتباط خبراتهم بطبيعة المهمة.
وأكد أن مشاركة فلسطين في الاجتماعات والمحافل الإقليمية والدولية ضرورية، ولا سيما في القضايا السيادية، إلا أن ذلك لا يعني المشاركة في كل مؤتمر أو ورشة عمل خارجية، بل يتطلب تحديد الأولويات وقياس الفائدة المتوقعة من كل مهمة.
مخاطر ازدواجية صرف المخصصات
ومن المخاطر التي تناولتها الدراسة احتمال ازدواجية الصرف المالي، من خلال حصول الموظف على مخصصات من وزارة المالية مقابل المهمة الرسمية، بالتزامن مع حصوله على مخصصات أخرى من الجهة المانحة أو المستضيفة للمهمة ذاتها.
ودعا ربايعة إلى اعتماد نموذج إفصاح مالي موحد، يوضح بصورة مسبقة جميع المخصصات التي سيحصل عليها الموظف، سواء من الحكومة أو من الجهة الداعية، بما يمنع صرف مخصصين ماليين للمهمة نفسها.
نظام إلكتروني وسقوف واضحة للسفر
وأوصت الدراسة بتعديل الأنظمة الناظمة للخدمة المدنية، ووضع سقف محدد لعدد المهمات الرسمية الخارجية التي يسمح للموظف الواحد بالمشاركة فيها سنويًا، بما يضمن توزيع الفرص بين الموظفين المؤهلين وعدم استئثار أشخاص محددين بالمهمات الخارجية.
كما دعت إلى إنشاء نظام إلكتروني موحد يربط بيانات الموظفين بالمهمات الرسمية والدورات التدريبية التي شاركوا فيها، ويصدر تنبيهات عند تجاوز السقوف المحددة أو وجود احتمالية لازدواجية الصرف.
وشملت التوصيات كذلك نشر بيانات دورية ومفصلة عن نفقات السفر الخارجي، ووضع معايير شفافة لاختيار المشاركين، وربط الإيفاد باحتياجات المؤسسات الحكومية وأولوياتها، وحصر المشاركات الخارجية في المهمات الضرورية التي تحقق فائدة واضحة أو تعزز الحضور الفلسطيني في المحافل الدولية.
وأكد ربايعة أن نفقات السفر الخارجي ليست السبب الرئيسي في الأزمة المالية التي تواجهها الحكومة الفلسطينية، إلا أن محدودية حجم أي بند من بنود الإنفاق لا تبرر تجاهله، مشددًا على أن ترشيد النفقات يتطلب مراجعة جميع أوجه الإنفاق العام وضمان توجيهها نحو الأولويات الوطنية.
أُنتجت هذه الحلقة بالشراكة مع الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة «أمان».
شاهد اللقاء

