مركز ثقل ديني واجتماعي وفكري وأحيانا سياسي كبير، قليلون هم من يمكن وصف تأثيرهم بهذه الأوصاف، لكن دون شك يعد “بابا الفاتيكان” واحدا منهم، لحيثية المنصب وأهميته، ومدى تأثيره الروحي والفكري في حياة نحو 2.5 مليار مسيحي حول العالم.
لا يعني هذا فقط مكانة البابا الحالي “ليو الـ14” ولكنها مكانة مستمدة من قبل المنصب، ثم يكون لكل شخص شغل المنصب إضافته المختلفة على أكثر من صعيد لا يختص فقط بالناحية الدينية.
ومن حيث الرياضة، فهي لم تكن يوما بعيدة عن اهتمامات البابا ليو الـ14، حتى بعد انتقاله من حياته العادية في الولايات المتحدة إلى قمة هرم الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، فإلى جانب مسؤولياته الدينية والإنسانية، يحتفظ البابا الأمريكي بعلاقة واضحة مع عدد من الألعاب الرياضية، ويحرص على التعبير عن تشجيعه لبعض الفرق والمنتخبات، في مشاهد تمنح الجماهير نافذة غير معتادة على الجانب الشخصي لشخصية تحظى باهتمام عالمي واسع.
وتتجاوز أهمية هذه العلاقة مجرد معرفة الرياضات التي يفضلها رأس الكنيسة الكاثوليكية؛ فظهور البابا في مناسبات رياضية، وحديثه عن الفرق التي يشجعها، واستخدامه كرة القدم والرياضة عموما لتوصيل رسائل إنسانية، كلها أمور تطرح سؤالا مختلفا: إلى أي مدى يمكن لشخصية بهذا التأثير أن تترك بصمتها على اهتمامات الجماهير، وربما توجه أنظارهم نحو فرق أو ألعاب بعينها؟
التنس.. الرياضة الأقرب إلى حياة البابا الحالي
يُعرف ليو الـ14 بشغفه بلعبة التنس، بل إنه وصف نفسه في مقابلة صحفية سابقة بأنه “لاعب هاو جيد” كاشفا عن أن ممارستها كانت جزءا من حياته قبل توليه منصب البابا.
وقال في مقابلة تعود إلى عام 2023: “أعتبر نفسي لاعب تنس هاويا جيدا، ومنذ مغادرتي بيرو، أتيحت لي فرص قليلة للعب، لذا آمل أن أعود إلى الملاعب”.
فيما قال الأب جوزيف فاريل في تصريحات لوكالة “رويترز” إن البابا “كان لاعب تنس منتظما. كان يلعب مرة واحدة في الأسبوع على الأقل”.
وأضاف البابا ليو نفسه حول الأمر تصريحات مفادها بأن التنس يساعده على الاسترخاء، لكنه أشار إلى أن ضيق الوقت لا يسمح له بالاستمتاع باللعبة كما يرغب.
كرة السلة.. من انتماء جامعي إلى قلب الفاتيكان
تحمل كرة السلة مكانة خاصة لدى ليو الـ14، بسبب ارتباطه بجامعة فيلانوفا، التي تخرج فيها عام 1977 بعدما حصل على درجة البكالوريوس في الرياضيات.
نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2026، استقبل البابا ليو في الفاتيكان فريقي كرة السلة بجامعتي فيلانوفا ونوتردام، في لقاء حضره نحو 7 آلاف شخص، ضمن فعاليات حملت اسم “إيترنال سيتي تيب أوف”، وجاءت تكريما للبابا الأمريكي الأول في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية.
ولم تكن المناسبة مجرد لقاء بروتوكولي بين البابا ولاعبي الجامعتين، بل عكست ارتباطه القديم بالرياضة الجامعية الأمريكية، فقد كان البابا ليو معتادا على حضور مباريات فيلانوفا في ملعب “بالسترا” بمدينة فيلادلفيا، المعروف بلقب “كاتدرائية كرة السلة الجامعية”.
وقال الأب روب هاغان، القسيس المرافق لفريق فيلانوفا منذ سنوات طويلة، إن البابا يعرف اللاعبين جيدا، مضيفا: “إنه ينتمي إلى فيلانوفا بكل جوارحه”.
وكان ليو قد أشار مازحا إلى أن جماهير فيلانوفا ستتفوق عدديا على مشجعي نوتردام خلال المناسبة، بعدما قيل له إن 90% من الحاضرين يشجعون فريق جامعته الأم، مقابل 10% فقط لنوتردام.
البيسبول.. مشجع لشيكاغو وايت سوكس
لا تقتصر اهتمامات البابا الرياضية على التنس وكرة السلة، فهو أيضا من مشجعي فريق شيكاغو وايت سوكس في دوري البيسبول الأمريكي.
ويرتبط هذا الاختيار بجذوره الأمريكية؛ فقد وُلد ليو في مدينة شيكاغو، وتحديدا في إحدى ضواحيها الجنوبية، وهي المنطقة التي ينتمي إليها الفريق الذي يشجعه.
ويُعد البيسبول جزءا مهما من الثقافة الرياضية الأمريكية، ولذلك فإن تشجيع البابا لفريق من مدينته يعكس جانبا من ارتباطه بهويته وذكرياته قبل انتقاله إلى الفاتيكان.
كرة القدم.. مناصرة أمريكا وريال مدريد وروما
مواقف البابا ليو وتصريحاته أظهرت اهتماما واضحا بلعبة كرة القدم، فقد قال إنه مارسها هي وكرة القدم الأمريكية، وكان ينشط في مركز قلب الدفاع “ولم يكن جيدا في إحراز الأهداف”.
وقبيل انطلاق كأس العالم 2026، أعلن ليو الـ14 دعمه للمنتخب الأمريكي، قائلا خلال حديثه مع صحفيين على متن الطائرة البابوية المتجهة من روما إلى مدريد: “سأشجع الولايات المتحدة بالتأكيد. لا أعرف كم مباراة سأتمكن من مشاهدتها، لكنني أتمنى لهم كل التوفيق”.
البابا ليو أشار في مقابلة سابقة إلى أنه سيشجع بيرو -بلده الأصلي- على حساب الولايات المتحدة إذا التقى المنتخبان، لكن عدم تأهل المنتخب البيروفي إلى مونديال 2026 فتح الباب أمام تشجيعه لمنتخب أمريكا.
ولم يتوقف الأمر عند المنتخبات، إذ كشف البابا عن تفضيله ريال مدريد على غريمه برشلونة. وعندما سأله أحد الصحفيين عن الفريق الذي يشجعه، أجاب بعد لحظة من الصمت: “البابا يشجع جميع الفرق، أما بريفوست فيشجع ريال مدريد”، في إشارة إلى اسمه قبل انتخابه بابا للفاتيكان “الكاردينال روبرت بريفوست “.
فيما أكد القس فاريل في سياق متصل أن ليو كان مشجعا لأكبر أندية كرة القدم في روما، ولم يؤكد النادي ذلك بشكل مباشر، لكنه رحب الخميس الماضي بالبابا الجديد بعد انتخابه.
وقال النادي عبر حسابه على منصة إكس لدى انتخابه: “ينضم نادي روما إلى العاصمة روما والعالم في الاحتفال بانتخاب البابا ليو الـ14، ويتمنى له كل التوفيق”.
الرياضة في خطاب البابا
بعيدا عن الفرق التي يشجعها والألعاب التي يفضلها، ينظر البابا ليو الـ14 إلى الرياضة باعتبارها وسيلة لبناء الإنسان وتعزيز الروابط بين المجتمعات.
وقد وصف الرياضة بأنها “مدرسة للأخوة”، لما يمكن أن تقدمه من قيم الصداقة والاحترام والعمل الجماعي، مؤكدا أن تأثيرها لا يتوقف عند النتائج أو البطولات.
وفي رسالة له خلال يونيو/حزيران 2026، خصصها للرياضة قبل المونديال، قال: “أتمنى أن يكتشف كل من يمارس الرياضة أو يتدرب أو يشجع الفرق لغة عالمية تجمع الثقافات، وتوحد الشعوب، وتنشر الاحترام والتضامن والنمو الشخصي”.
وقبيل انطلاق كأس العالم 2026، وجّه البابا رسالة إلى المشجعين، دعا فيها إلى النظر للحياة والرياضة باعتبارهما تجربة جماعية، قائلا إن الحياة، مثل كرة القدم، يجب أن تُلعب “كفريق واحد “، وإن كرة القدم تذكرنا بأن “الحياة ليست سباقا، ولا ينبغي أن تُعاش في عزلة”.
وفي المقابل، لم يتجاهل ليو الجوانب السلبية في عالم الرياضة، إذ حذر خلال افتتاح الألعاب الأولمبية والبارالمبية الشتوية في كورتينا من “عقلية الفوز بأي ثمن ” معتبرا أنها ساهمت في انتشار ممارسات مثل تعاطي المنشطات والتلاعب بنتائج المباريات وغيرها من أشكال الفساد الرياضي.
هل يؤثر البابا في اختيارات الجماهير؟
“بابا الفاتيكان ” ليس مجرد شخصية عامة أو مشجع رياضي معروف؛ إنه رأس الكنيسة الكاثوليكية، ويتابع أخباره الملايين حول العالم، وهو ما يمنح تصريحاته ومواقفه مساحة انتشار وتأثير تختلف عن تلك التي يحظى بها المشاهير أو الرياضيون.
وعندما يعلن تشجيعه للمنتخب الأمريكي في كأس العالم، أو يكشف عن انتمائه لريال مدريد، فإن هذه التصريحات تتحول تلقائيا إلى مادة إعلامية واسعة الانتشار، وقد تجذب اهتمام جماهير لا تتابع أخباره الدينية أو السياسية بالقدر نفسه.
ومن الممكن أن تمنح هذه المواقف الفرق التي يعلن تشجيعها حضورا إضافيا لدى بعض المتابعين، خصوصا في الولايات المتحدة، حيث يحمل ارتباطه ببلده الأصلي وجذوره في شيكاغو دلالة ثقافية واضحة، كما أن ارتباطه بجامعة فيلانوفا واستقباله فريقيها وفريق نوتردام في الفاتيكان يمنح كرة السلة الجامعية مساحة ظهور غير معتادة أمام جمهور عالمي.
لكن بالتأكيد يمنح اهتمام “البابا” بالرياضة شرعية إنسانية وأخلاقية أوسع، ويجذب الانتباه إلى منافسات وألعاب لا تحظى بالقدر نفسه من التغطية، ويذكر الجماهير بأن المنافسة لا ينبغي أن تلغي الاحترام والتضامن.

