لم يعد تشخيص الإصابة بسرطان الثدي يعني بالضرورة استئصال الثدي بالكامل، كما كان يحدث في حالات كثيرة قبل سنوات. فقد أتاحت التطورات في الجراحة والعلاج الإشعاعي والأدوية الموجهة والمناعية خيارات أوسع للمريضات، وساعدت على تحسين فرص النجاة والحفاظ على الثدي في عدد متزايد من الحالات.
لكن هذه التطورات لا تصل إلى جميع النساء بالقدر نفسه، إذ لا يزال توقيت اكتشاف المرض والحصول على العلاج المناسب عاملين حاسمين في تحديد فرص التعافي.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، شُخصت إصابة نحو 2.4 مليون امرأة بسرطان الثدي خلال عام 2024، وتوفيت نحو 694 ألف امرأة بسبب المرض، في حين تشير التقديرات إلى وجود نحو 8.2 ملايين امرأة على قيد الحياة بعد تشخيص إصابتهن به.
وتكشف تقديرات المنظمة تفاوتا كبيرا في فرص النجاة بين الدول، إذ بلغت نسبة البقاء على قيد الحياة لمدة 5 سنوات بعد التشخيص 87.3% في الدول المرتفعة الدخل، مقابل 41.9% فقط في الدول المنخفضة الدخل، وفقا لتقديرات الحالات المشخصة بين عامي 2017 و2021.
أما بيانات الجمعية الأمريكية للسرطان، فتشير إلى أن معدل البقاء النسبي لمدة 5 سنوات يتجاوز 99% عندما يُكتشف المرض وهو محصور في الثدي، وينخفض إلى 87% عند امتداده إلى الأنسجة أو العقد الليمفاوية القريبة، وإلى 32% عند انتشاره إلى أعضاء بعيدة.
وتعكس هذه الأرقام أهمية الكشف المبكر، لكنها لا تعني أن فرص النجاة تتحدد بمرحلة المرض وحدها، إذ تتأثر أيضا بنوع الورم وخصائصه البيولوجية والحالة الصحية للمريضة ومدى استجابتها للعلاج.

التشخيص المبكر يصنع الفارق
يقول الدكتور مدحت محمد علي السباعي، أستاذ علاج الأورام بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة ورئيس وحدة علاج أورام الثدي بالإشعاع، إن السنوات الأخيرة شهدت تطورا كبيرا في علاج سرطان الثدي، سواء باستخدام العلاجات الدوائية الحديثة أو تقنيات العلاج الإشعاعي المتقدم.
ويوضح، في تصريحات للجزيرة نت، أن الاستفادة القصوى من هذه التطورات تعتمد بدرجة كبيرة على اكتشاف المرض مبكرا، إذ يتيح ذلك تحقيق نتائج علاجية أفضل، مع تقليل المضاعفات والتكلفة مقارنة بكثير من الحالات التي تُشخص في مراحل متقدمة.
ويلفت إلى أن بعض النساء يؤخرن استشارة الطبيب رغم ملاحظتهن وجود كتلة في الثدي، اعتقادا منهن أن الأورام السرطانية لا بد أن تكون مصحوبة بالألم.
ويؤكد أن هذا الاعتقاد خاطئ، إذ يمكن أن يظهر سرطان الثدي في صورة كتلة غير مؤلمة، وهو ما يجعل تجاهل أي تغير غير معتاد في الثدي سببا محتملا لتأخر التشخيص.
ولا تقتصر العلامات التي تستدعي التقييم الطبي على الكتل، بل تشمل أيضا تغير شكل الثدي أو حجمه، وانكماش الجلد أو الحلمة، وظهور إفرازات غير طبيعية، خصوصا إذا كانت دموية.
ويشدد السباعي على أن رفع وعي النساء بهذه العلامات، إلى جانب إتاحة الفحوص المناسبة، يمثل خطوة أساسية لاكتشاف المرض في مراحله الأولى.
صدمة التشخيص ودور الأسرة
لا تقتصر آثار سرطان الثدي على الجانب الجسدي، إذ قد يشكل التشخيص صدمة نفسية للمريضة وأسرتها، خاصة مع المخاوف المرتبطة بالوفاة أو فقدان الثدي أو تأثير العلاج على الحياة اليومية.
ويقول السباعي إن بعض الأسر تمر بحالة من الذهول والقلق الشديد فور معرفة التشخيص، مما يجعل الدعم النفسي جزءا مهما من الرعاية الطبية منذ البداية.
ويوضح أن التعامل مع هذه المرحلة يتطلب من الفريق الطبي شرح طبيعة المرض وخيارات علاجه وفرص الاستجابة له، بما يساعد المريضة على تجاوز الخوف واتخاذ قراراتها العلاجية بناء على معلومات واضحة.
وقد تحتاج بعض المريضات إلى دعم نفسي متخصص أو تدخل علاجي للتعامل مع القلق أو الاكتئاب المصاحب للتشخيص والعلاج.
ويؤكد أن تحسين جودة الحياة لا يعتمد على الأدوية وحدها، بل تشمل أيضا التغذية المتوازنة والنشاط البدني الملائم للحالة الصحية والحصول على قدر كاف من الراحة، إلى جانب الدعم الأسري والاجتماعي.
خطة لكل مريضة
رغم وجود بروتوكولات دولية لعلاج سرطان الثدي، فإن اختيار الخطة المناسبة يعتمد على مجموعة من العوامل التي تختلف من مريضة إلى أخرى.
ويوضح السباعي أن الأطباء يضعون الخطة العلاجية بناء على مرحلة المرض وحجم الورم ومدى انتشاره، إلى جانب عمر المريضة وحالتها الصحية العامة ووجود أمراض مزمنة مثل السكري أو أمراض القلب.
وتؤدي الخصائص البيولوجية للورم دورا أساسيا في اختيار العلاج، خاصة حالة مستقبلات الهرمونات وبروتين HER2، التي تساعد على تحديد مدى ملاءمة العلاج الهرموني أو الموجه.
وفي بعض الأورام المكتشفة مبكرا، قد يبدأ العلاج بالجراحة لإزالة الورم، ثم تُستخدم علاجات إضافية بحسب تقدير الفريق الطبي لتقليل احتمال عودته.
أما في حالات أخرى، فقد يبدأ الأطباء بالعلاج الدوائي قبل الجراحة، بهدف تقليص حجم الورم أو تحسين فرص إجراء جراحة تحافظ على الثدي.
وقد يشمل العلاج الدوائي العلاج الكيميائي أو الموجه أو المناعي، وفقا لنوع الورم ومرحلته، بينما يستخدم العلاج الإشعاعي في حالات محددة للقضاء على الخلايا السرطانية المتبقية وتقليل احتمالات عودة المرض.
ويشير السباعي إلى أن الأورام الحساسة للهرمونات قد تتطلب علاجا هرمونيا يستمر سنوات، وفقا لتقييم مخاطر عودة المرض، وقد تمتد مدته إلى ما بعد 5 سنوات في بعض الحالات.
ويؤكد أن القرار العلاجي لا يستند إلى إجراء واحد أو بروتوكول ثابت لجميع المريضات، بل إلى تقييم متكامل يوازن بين فاعلية العلاج وآثاره الجانبية وتأثيره على جودة الحياة.

المتابعة لا تنتهي بانتهاء العلاج
يؤكد السباعي أن الانتهاء من الجراحة أو العلاج الكيميائي أو الإشعاعي لا يعني انتهاء رحلة الرعاية الطبية، إذ تحتاج المريضة إلى متابعة منتظمة لرصد أي علامات محتملة لعودة المرض، والتعامل مع الآثار الجانبية طويلة المدى للعلاج.
ويوضح أن المتابعة تبدأ من وعي المريضة بالتغيرات التي قد تطرأ على جسمها، ومعرفة المظهر والملمس الطبيعيين للثدي، بما يساعدها على ملاحظة أي كتلة أو تغير غير معتاد يستدعي مراجعة الطبيب.
وينصح السباعي بالاهتمام بالفحص الذاتي شهريا، إلى جانب الفحوص السريرية والتصوير الطبي وفقا للخطة التي يحددها الفريق المعالج.
وتشير الجمعية الأمريكية للسرطان إلى أن زيارات المتابعة تكون عادة كل 3 إلى 6 أشهر خلال السنوات الأولى بعد انتهاء العلاج، ثم تتباعد تدريجيا، وقد تصبح سنوية بعد مرور 5 سنوات.
أما تصوير الثدي الشعاعي (الماموغرام)، فيحدد توقيته وفقا لنوع الجراحة والعلاج السابق، ولا تحتاج جميع المريضات إلى الفحوص التصويرية نفسها.
ومن المهم التمييز بين الحاجة إلى المتابعة طويلة الأمد وبين اعتبار جميع حالات سرطان الثدي مرضا مزمنا نشطا؛ فكثير من الحالات المبكرة يمكن علاجها بنية الشفاء، بينما تحتاج الحالات المنتشرة إلى خطط مختلفة للسيطرة على المرض.
كما أن الوعي بالتغيرات التي تطرأ على الثدي لا يغني عن الفحوص الطبية والتصوير الموصى بهما.
تراجع الاستئصال الكامل
يرصد السباعي تغيرا لافتا في طبيعة التدخلات الجراحية لعلاج سرطان الثدي في مصر خلال السنوات الأخيرة، ويربط ذلك بالتوسع في الكشف المبكر وتطور الخيارات العلاجية.
ويقول إنه قبل نحو 10 سنوات، كانت نسبة المريضات اللاتي يخضعن للاستئصال الكامل للثدي تصل إلى 65%، بينما انخفضت هذه النسبة حاليا إلى نحو 35%، في مقابل ارتفاع نسبة الجراحات التحفظية التي تزيل الورم مع الحفاظ على الثدي إلى قرابة 65%.
وتعكس هذه الأرقام، التي يوردها السباعي من خبرته السريرية، تحولا مهما في الممارسة العلاجية، لكنها لا تمثل بالضرورة جميع مريضات سرطان الثدي في مصر.
ويوضح أن الجراحات التحفظية توفر مزايا نفسية وجسدية للمريضة، خصوصا أنها تساعد على الحفاظ على شكل الثدي وتخفيف الآثار النفسية المرتبطة بفقدانه.
لكن اختيار الجراحة التحفظية ليس مناسبا لكل الحالات، إذ يعتمد على حجم الورم وموضعه ومدى انتشاره وعوامل طبية أخرى، وقد يتطلب استكمال العلاج بالإشعاع.
ويشير السباعي إلى أن المبادرة الرئاسية المصرية لدعم صحة المرأة أسهمت في توسيع فرص الكشف المبكر عن أورام الثدي، مما أتاح تشخيص بعض الحالات في مراحل تسمح بعلاج أقل تدخلا.

مراكز متخصصة وعلاج مجاني
يشير السباعي إلى الدور الذي يؤديه مستشفى أورام الثدي التابع للمعهد القومي للأورام، في منطقة التجمع الأول بالقاهرة، في تقديم خدمات التشخيص والعلاج والمتابعة.
ويوضح أن المريضة تخضع للتقييم الطبي، ثم تُعرض حالتها على لجنة متعددة التخصصات تضم أطباء الجراحة والعلاج الدوائي والإشعاعي، لوضع خطة علاج تتناسب مع طبيعة الورم والحالة الصحية.
ويؤكد أن الخدمات العلاجية المقدمة للمريضات في المركز متاحة بالمجان، بما يخفف الأعباء المالية التي قد تشكل عقبة أمام استكمال العلاج.
وفي مجال العلاج الإشعاعي، يقول إن مركز أورام مدينة نصر يستقبل نحو 1500 مريضة سنويا، ويستخدم تقنيات حديثة تهدف إلى تحسين دقة العلاج والحد من تعرض الأنسجة السليمة للإشعاع.
ويرى أن التوسع في المراكز المتخصصة لا ينعكس على علاج المريضات فقط، بل يسهم أيضا في تدريب الأطباء الشباب، وتعزيز البحث العلمي في مجالات التشخيص المبكر والعلاجات المتقدمة وتقليل مضاعفاتها وتكاليفها.
هدف عالمي لإنقاذ 2.5 مليون امرأة
في مواجهة التفاوت الكبير في فرص النجاة، أطلقت منظمة الصحة العالمية المبادرة العالمية لسرطان الثدي، بهدف خفض الوفيات الناجمة عنه بمعدل 2.5% سنويا، بما قد يتيح تجنب 2.5 مليون وفاة بحلول عام 2040.
وتستند المبادرة إلى 3 أهداف رئيسية: تشخيص 60% على الأقل من حالات سرطان الثدي الغازي في المرحلتين الأولى أو الثانية، واستكمال التقييم والتشخيص خلال 60 يوما، وضمان إتمام 80% من المريضات للعلاج المتكامل الموصى به.
وتكشف هذه الأهداف أن مواجهة سرطان الثدي لا تعتمد على اكتشاف أدوية جديدة وحدها، بل على قدرة الأنظمة الصحية على توفير التشخيص والعلاج والمتابعة لجميع النساء، بغض النظر عن مكان إقامتهن أو ظروفهن الاقتصادية.
وبينما تتوسع الخيارات العلاجية وتتحسن فرص الحفاظ على الثدي، يبقى الاكتشاف المبكر والوصول إلى العلاج في الوقت المناسب عاملين حاسمين في تحويل سرطان الثدي من تشخيص يثير الخوف إلى مرض يمكن علاجه بنجاح في كثير من الحالات.

