سرقة المستوطنين للأغنام: استنزاف للثروة الحيوانية وضغط على أسعار اللحوم

سرقة المستوطنين للأغنام: استنزاف للثروة الحيوانية وضغط على أسعار اللحوم
16 سبتمبر 2026
(شباب اف ام) -

لا تقتصر اعتداءات المستوطنين على المزارعين في الضفة الغربية على الأراضي والأشجار والمحاصيل، بل تمتد بصورة مباشرة إلى الثروة الحيوانية، عبر سرقة الأغنام والماعز وقتلها والاعتداء على حظائرها ومربيها، في وقت تمثل فيه تربية المواشي مصدر دخل رئيسياً لآلاف الأسر الريفية والرعوية.

وتأتي هذه الاعتداءات في وقت ما تزال فيه أسعار لحوم الأغنام مرتفعة في السوق الفلسطينية، إذ قال نقيب أصحاب الملاحم عمر نخلة، إن سعر كيلو لحم الخروف للمستهلك يتراوح حالياً بين 110 و120 شيكلاً، بحسب مستوى التنظيف، فيما تتجاوز تكلفة الكيلو على اللحام 100 شيكل.

آلاف الرؤوس خارج القطعان

وتشير أحدث البيانات الرسمية المتاحة إلى حجم كبير من الخسائر التي لحقت بالثروة الحيوانية؛ إذ قالت وزارة الزراعة إن الانتهاكات الإسرائيلية خلال عام 2025 أدت إلى سرقة وقتل 5,236 رأساً من الأغنام في محافظات أريحا ونابلس ورام الله والبيرة والخليل، وقدرت الخسائر المباشرة الناتجة عنها بنحو 1.77 مليون دولار، مع تأثر مئات الأسر الرعوية.

وبحسب تقدير لمنظمة “البيدر”، فقد سرق المستعمرون نحو 13 ألف رأس من الأغنام خلال الفترة الممتدة من 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى نهاية حزيران/يونيو 2026، في إطار اعتداءات استهدفت التجمعات الرعوية ومصادر رزقها. ويظل هذا الرقم تقديراً أهلياً وليس حصيلة رسمية نهائية منشورة من وزارة الزراعة.

وتظهر وقائع موثقة خلال العام الجاري أن سرقة المواشي لم تعد حالات محدودة؛ ففي آذار/مارس 2026 وثقت الأمم المتحدة سرقة نحو 1,400 رأس من الأغنام والماعز في هجوم استهدف تجمع رأس عين العوجا في الأغوار، إلى جانب قتل 12 رأساً أخرى.

كما وثقت وزارة الزراعة خلال الفترة بين 24 أيار/مايو و4 حزيران/يونيو 2026 سرقة 342 رأس غنم، إلى جانب أضرار أخرى طالت الأعلاف والمنشآت الزراعية.

وفي حادثة أخرى، وثقت الأمم المتحدة سرقة 148 رأساً من الأغنام من مزرعة في تجمع حمامات المالح في الأغوار الشمالية في كانون الأول/ديسمبر 2025، بالتزامن مع الاعتداء على العاملين وسرقة معدات ومركبات.

وفي أحدث حادثة، سرق مستعمرون فجر اليوم الثلاثاء نحو 300 رأس من الأغنام وحصاناً عربياً أصيلاً من مزرعة المواطن يوسف فواز عواودة في منطقة الحيان ببلدة دير دبوان، شرق رام الله، وفق مصادر محلية.

لماذا تمثل السرقة خطراً على الثروة الحيوانية؟

الخسارة لا تتوقف عند قيمة الحيوانات المسروقة. فالأغنام تمثل رأس مال منتجاً للمربي، لأن القطيع يوفر اللحوم والحليب والتكاثر، وبالتالي فإن فقدان عدد كبير من النعاج أو الحيوانات الصغيرة يعني خسارة إنتاجية تمتد إلى مواسم لاحقة.

وتؤكد بيانات أن أغنام العساف، وهي من السلالات المهمة في الضفة الغربية، تمثل مصدراً رئيسياً للحوم والحليب في شمال الضفة، ما يجعل تراجع أعداد القطعان مؤثراً بصورة مباشرة في سلسلة إنتاج هذه المنتجات.

كما أن الاعتداءات تدفع بعض المربين إلى تقليص قطعانهم أو الاعتماد بدرجة أكبر على شراء الأعلاف بدلاً من الرعي، نتيجة الخوف من الوصول إلى المراعي المفتوحة. وكانت الأمم المتحدة قد وثقت في تجمع رأس عين العوجا أن اعتداءات المستعمرين والقيود على الرعي دفعت المربين إلى الاعتماد بشكل متزايد على الأعلاف المكلفة.

 

ويعني تقلص القطعان المحلية، من الناحية الاقتصادية، انخفاض القدرة الإنتاجية للقطاع، وزيادة الاعتماد على مصادر خارجية لتغطية احتياجات السوق، بما قد يضيف ضغوطاً على أسعار اللحوم والحليب ومنتجاتهما، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج أصلاً.

الترقيم.. أكثر من مجرد إثبات ملكية

في هذا السياق، يكتسب مشروع الترقيم الوطني للمواشي أهمية اقتصادية وبيطرية، إذ إن ربط كل رأس برقم وبيانات تعريفية يمكن أن يساعد في إثبات الملكية وتتبع حركة الحيوانات.

وتوضح منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “فاو” أن أنظمة تعريف الحيوانات وتسجيلها تساعد في تتبع المواشي، والسيطرة على الأمراض، والاستجابة لتفشيها، وبرامج التطعيم، ومراقبة حركة الحيوانات، والحد من سرقة المواشي. كما أن تتبع الحيوانات يرتبط مباشرة بإمكانية تتبع المنتجات الحيوانية الناتجة عنها.

وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية بالنسبة للحوم والحليب ومشتقاته؛ فالتتبع في السلسلة الغذائية يسمح بتحديد مصدر المنتج وحركته، ويساعد في التعامل مع مخاطر سلامة الغذاء وسحب المنتجات عند ظهور مشكلة صحية.

مخاطر تمتد إلى اللحوم والحليب

ولا يعني ذلك أن سرقة الحيوانات بحد ذاتها تجعل المنتجات الحيوانية غير آمنة، لكن ضعف القدرة على معرفة مصدر الحيوان وحركته وتاريخه الصحي يزيد صعوبة الرقابة في حال انتقال حيوانات مسروقة أو غير معروفة المصدر بين المزارع والأسواق.

وتشير “فاو” إلى أن الأمن الحيوي في قطاع الثروة الحيوانية يعتمد على إجراءات تبدأ من المزرعة وتمتد إلى الأسواق والمسالخ والنقل ونقاط البيع، وأن ضعف هذه الإجراءات يرفع مخاطر انتشار الأمراض ويهدد صحة الحيوان وسلامة الغذاء.

وتزداد أهمية ذلك في الضفة الغربية مع وجود ضغط على الخدمات البيطرية وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، فيما تعمل وزارة الزراعة وشركاؤها على تطوير قطاع الأغنام ومنتجات الألبان؛ إذ نفذت الوزارة بالتعاون مع “فاو” والاتحاد الأوروبي خلال العام الجاري تدريباً لمربي الأغنام حول إدارة مزارع الأغنام والإنتاج الآمن للحليب ومنتجات الألبان.

خسارة تتجاوز المربي

وبالنسبة للاقتصاد المحلي، فإن استمرار سرقة المواشي لا يعني فقط خسارة أصول يمتلكها المربي، بل يضرب سلسلة اقتصادية تضم مربي الأغنام، وتجار المواشي، واللحامين، ومنتجي الحليب والأجبان، وموردي الأعلاف والأدوية البيطرية والنقل.

ومع خسارة آلاف الرؤوس، يتقلص حجم القطيع القابل للتكاثر والإنتاج، ما يضعف قدرة القطاع على تعويض الحيوانات المفقودة سريعاً. وفي المقابل، قد ينعكس نقص المعروض على أسعار اللحوم، خصوصاً إذا تزامن مع ارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل وصعوبة الوصول إلى المراعي.

وتأتي هذه التطورات في وقت سجلت فيه وزارة الزراعة خسائر واسعة للقطاع الزراعي الفلسطيني خلال 2025؛ إذ تجاوزت الخسائر الاقتصادية المباشرة للانتهاكات الإسرائيلية في القطاع الزراعي 103 ملايين دولار، منها 1.77 مليون دولار مرتبطة بسرقة وقتل الأغنام وحدها وفق بيانات الوزارة.

وبذلك، تبدو سرقة الأغنام في الضفة الغربية أبعد من كونها خسارة فردية لمربي أو مزرعة؛ فهي تستنزف أحد مكونات رأس المال الإنتاجي للقطاع الزراعي، وتضعف إنتاج اللحوم والحليب، وتهدد مصادر دخل الأسر الرعوية، وتزيد الضغوط على سوق يعتمد أساساً على إنتاج محلي محدود وتكاليف إنتاج مرتفعة.

المصدر: الاقتصادي

ي.ك