قد يعرف طفلك الإجابة جيدا، لكنه يتراجع في اللحظة الأخيرة عن رفع يده والمشاركة داخل الفصل. ولا يعني هذا بالضرورة أنه خجول، أو أن صمته سمة راسخة في شخصيته لا يمكن تغييرها.
تقول المعلمة وخبيرة نمو الطفل شيلا فورتسون لموقع “ماذرلي ” (Motherly)، إن التردد في التحدث داخل الفصل الدراسي لا يرتبط في معظم الأحيان بطبيعة الطفل أو شخصيته، وإنما بعدم حصوله على فرص كافية، في بيئة آمنة، ليكون محط أنظار الآخرين ومسموعا لديهم. فكيف يمكن للآباء والمعلمين مساعدة الطفل الهادئ على بناء ثقته بنفسه والتعبير عن أفكاره أمام الآخرين دون أن يشعر بالضغط أو الإحراج؟
لا تقارنه بباقي الأطفال
من الأخطاء التي قد يقع فيها الآباء مقارنة الطفل الهادئ بإخوته أو أصدقائه الأكثر جرأة، من خلال عبارات مثل: “انظر إلى أخيك، لماذا لا تتحدث مثله؟ ” أو “زميلك يرفع يده دائما، لماذا لا تفعل ذلك؟”.
وقد تبدو هذه المقارنات، في ظاهرها، وسيلة لتحفيز الطفل، لكنها قد تزيد شعوره بأنه مختلف أو أقل قدرة من الآخرين، وتجعله أكثر وعيا بخوفه وتردده. ومع تكرار هذه الرسائل، قد يبدأ الطفل النظر إلى نفسه باعتباره “الطفل الخجول” الذي لا يجيد الحديث أمام الآخرين، بدلا من النظر إلى هدوئه باعتباره مرحلة مؤقتة أو سلوكا يمكن تغييره.
كما أن الضغط المباشر على الطفل للمشاركة قد يحول الموقف الذي يُفترض أن يكون فرصة لبناء الثقة إلى مصدر إضافي للقلق. لذلك، يكون التشجيع التدريجي، مع التركيز على المحاولة بدلا من مقارنة أداء الطفل بأداء الآخرين، أكثر فائدة في مساعدته على التعبير عن نفسه وتعزيز ثقته بها، وفقا لموقع “تشايلد مايند إنستيتيوت” (Child Mind Institute).

طقس العرض العائلي
من أبسط الطرق التي يمكن للآباء البدء بها إنشاء طقس عائلي صغير يقوم على تخصيص “مسرح” للطفل، حتى لو كان مجرد الوقوف أمام الأريكة، ومنحه بضع دقائق ليتحدث عن شيء ما.
يمكن للطفل أن يعرض كتابا قرأه، أو يحكي نكتة، أو يشرح شيئا صنعه بيديه، أو يحكي تفاصيل يومه في صورة قصة. وفي المقابل، يجلس أفراد الأسرة للاستماع إليه ثم يصفقون له في النهاية. ولا تحتاج هذه الفقرة إلى أكثر من دقيقتين إلى 5 دقائق.
أما موضوع الحديث نفسه فلا يمثل أهمية كبيرة؛ فالمقصود هو تدريب الطفل على الوقوف أمام الآخرين، والشعور بأنه مرئي ومسموع، وإكمال ما بدأه. ومع تكرار هذه التجربة، تتطور لديه القدرة على التعامل مع الانتباه الموجه إليه بمزيد من الراحة.
ويختلف شكل هذا التمرين باختلاف عمر الطفل.
بالنسبة إلى الأطفال الصغار في مرحلة الحضانة وما قبل المدرسة، يمكن إبقاء الأمر في إطار اللعب، من خلال عرض لعبة مفضلة أو تمثيل أنشودة للأطفال. وعندما ينتهي الطفل، يكون التصفيق والثناء على شجاعته أهم من تقييم أدائه.
أما الأطفال الأكبر سنا، فيمكن منحهم قدرا أكبر من التنظيم. يمكن مثلا أن يشرحوا للوالدين كتابا قرؤوه، أو يعلموهم قواعد لعبة، أو يرووا شيئا جديدا تعلموه في المدرسة.
ويمكن تقديم ملاحظات بسيطة وتشجيع الطفل على المحاولة مرة أخرى، لكنْ من الأفضل الاكتفاء بإعادة واحدة مدروسة مع التركيز على الجهد. فإجبار الطفل على تكرار المحاولة حتى يصل إلى أداء “مثالي ” قد يؤدي إلى الإحباط بدلا من بناء الثقة.

القراءة بصوت عال
تُعد القراءة بصوت عال من الأدوات التي لا تحظى بالتقدير الكافي عندما يتعلق الأمر ببناء ثقة الطفل بنفسه. فهي تمنحه فرصة لاستخدام صوته والتعبير أمام جمهور، من دون الضغط الإضافي الناتج عن اضطراره إلى ابتكار كلماته الخاصة.
ويمكن النظر إلى القراءة بصوت عال باعتبارها نوعا من التدريب على الثقة يأتي في صورة نشاط يومي. فعندما يعتاد الطفل على ملء المكان بصوته، يصبح استخدام كلماته الخاصة أمام الآخرين أقل صعوبة. ولا يتطلب الأمر جلسات طويلة، إذ يمكن ممارسة ذلك يوميا لبضع دقائق قبل النوم مثلا.
دور المعلم.. الثقة لا تُبنى في المنزل وحده
لكنّ بناء الثقة لا يتوقف عند باب المنزل، إذ يلعب المعلم دورا مهمّا في الطريقة التي ينظر بها الطفل إلى المشاركة داخل الفصل. فالطفل الهادئ يحتاج إلى بيئة تشجعه على الكلام من دون أن تجعله يشعر بأنه تحت الاختبار أو معرض للإحراج أمام زملائه.
وتقول الأخصائية النفسية الإكلينيكية الدكتورة باربرا ماركواي، في مقال لها بموقع “سايكولوجي توداي” (Psychology Today)، إن مساعدة الطفل الهادئ داخل الفصل تبدأ ببناء علاقة دافئة وآمنة معه. ويمكن للمعلمين اتباع الخطوات التالية:
- التعرف إلى اهتماماته واستخدامها مدخلا للحوار والأنشطة داخل الفصل.
- دمجه تدريجيا مع زملاء أكثر انفتاحا لمساعدته على التفاعل وتكوين الصداقات.
- الاستفادة من نقاط قوته ومنحه أدوارا يشعر من خلالها بالكفاءة والأهمية.
- اختيار مكان جلوس مناسب إلى جانب أطفال يعرفهم أو يجيدون مشاركة الآخرين.
- تعليمه مهارات الانضمام إلى الأنشطة الجماعية وتشجيعه على المبادرة بخطوات بسيطة.
- منحه مهام تتطلب التفاعل والحركة داخل الفصل، بما يعزز شعوره بالثقة والانتماء.
- تجنب إحراجه أو وضعه تحت ضغط من خلال إجباره على الحديث أمام الآخرين.
- تعليمه كيفية التعامل مع السخرية والتنمر والتدخل لحمايته عند الحاجة.
- التواصل المستمر مع الوالدين لفهم سلوكه ومشاعره تجاه المدرسة.
- مراقبة علامات القلق أو الانسحاب الشديد، وطلب مساعدة متخصص إذا استمرت المشكلة أو لم يظهر تحسن.
ومع تكامل دور الأسرة والمعلم، لا يحتاج الطفل الهادئ إلى أن يصبح شخصا مختلفا، بل إلى فرص آمنة ومتكررة تساعده على اكتشاف صوته واستخدامه بثقة.

