يصادف اليوم الأحد، 30 آب/أغسطس، الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد الناطق العسكري باسم كتائب القسام، حذيفة الكحلوت المعروف بـ”أبو عبيدة”، الذي اغتاله الاحتلال الإسرائيلي في غارة استهدفته بمدينة غزة، في 30 آب/أغسطس 2025.
واستذكرت حركة “حماس”، في الذكرى الأولى لاستشهاده، أبو عبيدة، واصفة إياه بـ”القائد الكبير” و”ناطق الأمة”، ومؤكدة أن حضوره وصوته ارتبطا بمرحلة فارقة من تاريخ المقاومة الفلسطينية.
وقالت الحركة إن أبو عبيدة “كان أكثر من مجرد متحدث باسم المقاومة”، مشيرة إلى أن صوته ونبرته وحضوره شكّلت صورة راسخة في ذاكرة جيل كامل، وأن خطابه ظل حاضرًا رغم مرور عام على استشهاده.
وأضافت أن صوته ارتبط بـ”أمجاد المقاومة وبطولاتها”، ولا سيما خطاباته خلال الأحداث المفصلية التي رافقت عمليات الأسر والتسلل خلف خطوط الاحتلال، معتبرة أن غيابه لم يطوِ حضوره في الذاكرة.
“ناطق الأمة”.. صوت غاب باغتياله
وعقب إعلان استشهاده، تحوّل أبو عبيدة إلى حاضر دائم في منشورات مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، الذين استعادوا خطاباته ومقاطع ظهوره، مستذكرين نبرته المميزة وحضوره الذي ارتبط في أذهان الملايين ببيانات المقاومة خلال الحروب والمعارك المتعاقبة على قطاع غزة.
وتداول ناشطون مقاطع من كلماته وخطاباته، ووصفوه بـ”ناطق الأمة”، في إشارة إلى اتساع تأثير خطابه وتجاوز حضوره حدود الساحة الفلسطينية، فيما استُعيدت عباراته التي خاطب فيها القادة والنخب العربية والإسلامية خلال الحرب.
ومن أبرز ما أعيد تداوله من كلماته: “يا قادة هذه الأمة الإسلامية والعربية، ويا نخبها وأحزابها الكبيرة وعلمائها.. أنتم خصومنا أمام الله، أنتم خصوم كل طفل يتيم وكل ثكلى، وكل نازح ومشرّد ومكلوم وجريح ومجوّع”.
وكان أبو عبيدة قد ظهر طوال سنوات بوجه ملثم وكوفية حمراء، ليصبح صوته وصورته من أبرز الرموز الإعلامية المرتبطة بكتائب القسام، خصوصًا خلال الحروب الإسرائيلية المتعاقبة على قطاع غزة.
من جباليا إلى قيادة الخطاب الإعلامي للقسام
ولد حذيفة سمير عبد الله الكحلوت، المعروف باسم “أبو عبيدة”، عام 1984، لعائلة فلسطينية تنحدر من قرية نِعليا جنوب غربي المجدل، قبل أن تنزح الأسرة إثر نكبة عام 1948 إلى قطاع غزة، وتستقر في مخيم جباليا شمالي القطاع.
تلقى تعليمه الأساسي في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، ونشط في الكتلة الإسلامية، الذراع الطلابي لحركة حماس، قبل أن يتخرج من الثانوية العامة من الفرع العلمي عام 2002.
بدأ دراسة الهندسة، قبل أن ينتقل إلى الدراسات الشرعية في كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية في غزة، حيث حصل على درجة الماجستير في العقيدة عام 2013، عن رسالة حملت عنوان “الأرض المقدسة بين اليهودية والمسيحية والإسلام”.
ظهوره الأول
التحق الكحلوت بصفوف حركة حماس خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، وبرز لاحقًا في جناحها العسكري، كتائب القسام، متنقلًا بين المهام الميدانية والإعلامية.
وظهر للمرة الأولى في إصدارات مرئية خاصة بالحركة خلال عامي 2002 و2003، قبل أن يبرز اسمه بشكل أكبر خلال معركة “أيام الغضب” عام 2004، حين عقد مؤتمرًا صحفيًا في مسجد النور شمال قطاع غزة، ظهر خلاله ملثمًا وتحدث عن مجريات المعركة وعمليات المقاومة.
وبعد انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005، بدأ ظهوره بصفته الناطق الإعلامي باسم كتائب القسام، وهي الصفة التي لازمته طوال السنوات التالية.
من “الوهم المتبدد” إلى “طوفان الأقصى”
كان من أبرز ظهوراته المبكرة في حزيران/يونيو 2006، عندما أعلن نجاح المقاومة في تنفيذ عملية “الوهم المتبدد”، التي أسفرت عن أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، قبل الإفراج عنه عام 2011 ضمن صفقة تبادل أُطلق بموجبها سراح أكثر من ألف أسير فلسطيني.
وخلال حرب “الرصاص المصبوب” عام 2009، برز صوت أبو عبيدة من خلال بيانات المقاومة، قبل أن يتكرر حضوره خلال حرب “عامود السحاب” عام 2012، ثم يتسع بشكل أكبر خلال معركة “العصف المأكول” عام 2014، حين أعلن أسر الجندي الإسرائيلي شاؤول آرون.
ومع مرور السنوات، تحول أبو عبيدة إلى شخصية حاضرة بقوة في الإعلام الإسرائيلي، الذي تابع خطاباته وبياناته وترجمها بشكل متكرر، فيما قالت وسائل إعلام إسرائيلية إن الاحتلال حاول اغتياله عدة مرات واستهدف أماكن يُعتقد بوجوده فيها.
وفي 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ظهر أبو عبيدة برسالة صوتية في أعقاب معركة “طوفان الأقصى”، ليتواصل حضوره طوال الحرب عبر بيانات ورسائل مسجلة ومصورة تناولت تطورات المعارك وملف الأسرى الإسرائيليين.
وكان آخر ظهور إعلامي له في مقطع مصور بتاريخ 18 تموز/يوليو 2025، تحدث فيه عن تطورات المعارك في قطاع غزة، مؤكدًا جاهزية الفصائل لخوض “معركة استنزاف طويلة” مع الاحتلال.
وبعد نحو ستة أسابيع، أعلن الاحتلال استهدافه في غارة على مدينة غزة، قبل أن تعلن كتائب القسام رسميًا استشهاده، ليغيب الصوت الذي رافق محطات المقاومة الفلسطينية لأكثر من عقدين، فيما بقيت خطاباته وصور ظهوره حاضرة في ذاكرة من تابعوه.

