كيف يستغل الاحتلال المياه للسيطرة على ما تبقى من الأغوار؟

كيف يستغل الاحتلال المياه للسيطرة على ما تبقى من الأغوار؟
26 أغسطس 2026
(شباب اف ام) -

أوقفت سلطة المياه الفلسطينية إجراءات وتبعات القرار الخاص بإخطارات وفواتير المزارعين في قرى بردلة وكردلة وعين البيضاء بالأغوار الشمالية، التي طالبت المزارعين بدفع ديون متراكمة بلغت نحو 62 مليون شيكل. وجاء وقف الإجراءات بعدما أثارت الإخطارات جدلاً واستياء شعبيًا، بسبب المخاطر الاستيطانية التي تُهدد الوجود الفلسطيني والزراعي في منطقة الأغوار.

وأعادت هذه التطورات فتح أحد أكثر الملفات أهمية وإغفالًا، والمتمثل في خرق الاحتلال للبنود المائية المنصوص عليها في اتفاقية “أوسلو”.

ففي الوقت الذي قُدّرت فيه طاقة الخزان الجوفي الفلسطيني بنحو 734 مليون متر مكعب سنويًا، وحُدِّدت حصة الفلسطينيين منها بـ 235 مليون متر مكعب، أي ما يعادل 32% من إجمالي المخزون، فإن المستَغلّ فعلاً يقتصر على نحو 13.5% من إجمالي المخزون، وذلك نتيجة القيود والانتهاكات الإسرائيلية.

في المقابل، يفرض الاحتلال سيطرته المطلقة على 86.5% من المقدرات المائية، ويسخرها لخدمة المستوطنات، مما يعمق أزمة الحرمان المائي ويستنزف الموارد الطبيعية للحق الفلسطيني، فتصل حصة الفرد الإسرائيلي إلى 400 لتر من المياه يوميًا، بينما لا تتعدى حصة الفلسطيني 40 لترًا فقط.

وتتجسّد أبعاد هذه الكارثة بأبشع صورها في منطقة الأغوار الفلسطينية، حيث يحوّل الاحتلال الملف المائي إلى أداة تهجير قسري ووسيلة لاقتلاع المزارعين من أراضيهم الخصبة الغنية بالموارد المائية، التي تُعدّ الأجود والأكثر ملاءمة لمختلف الأنماط الزراعية.

الأغوار مستهدفة منذ عام 1967

ظلت الأغوار هدفًا استراتيجيًا للمشاريع الاستيطانية والعسكرية الإسرائيلية، فانتشرت على مساحات شاسعة منها شبكة مكثفة من المستوطنات وقواعد التدريب العسكري، خاصة بعد سريان القرارات الإسرائيلية القاضية بعزل المنطقة وفصلها جغرافيًا عن سائر أنحاء الضفة الغربية.

تندرج هذه الممارسات ضمن سياسة ممنهجة تُدار من أعلى مستويات القرار الإسرائيلي لإفراغ الأغوار من الوجود الفلسطيني، استنادًا إلى إجماعٍ متواتر بين مختلف القوى السياسية في إسرائيل على ضم القدس والأغوار.

وتتجلى هذه السياسة في تعزيز مخطط “آلون” الاستيطاني، الذي انطلقت شرارته الأولى في أواخر ستينات القرن الماضي عبر إقامة حزام استيطاني على طول مجرى نهر الأردن.

وقد أثمر هذا المخطط حتى نهاية عام 2022 عن إقامة 36 مستوطنة يقطنها أكثر من 7500 مستوطن، تُقام تسعٌ منها على أراضي محافظة طوباس والأغوار الشمالية، ناهيك عن الانتشار المكثف للقواعد والمعسكرات العسكرية، والحواجز التي تقيد حركة المواطنين، إلى جانب مسار “الجدار الشرقي” الذي يلتهم مساحات شاسعة من عمق المنطقة.

ومنذ تشكيل حكومة المستوطنين واليمين المتطرف الحالية مطلع العام 2023، بدأت الأغوار تشهد موجة غير مسبوقة من الاستيلاء على الأراضي والتوسع الاستيطاني، حيث صادرت سلطات الاحتلال آلاف الدونمات تحت ذرائع مكررة مثل إعلانها “أراضي دولة” أو “محميات طبيعية”، بالتوازي مع إقامة عشرات البؤر الاستيطانية الرعوية الجديدة.

وتُؤكّد المعطيات الميدانية تهجير ستة تجمعات فلسطينية بالكامل في شمال الأغوار، تضم 112 عائلة، على وقع الاعتداءات الاستيطانية غير المسبوقة، وتمدد البؤر الاستيطانية، وحرمان السكان من أراضيهم ومراعيهم ومياههم.

وتُجسّد حالة “رأس عين العوجا” نموذجًا صارخًا لسياسة التهجير الجماعي، حيث أُجبر نحو 600 مواطن على مغادرة أراضيهم خلال كانون الثاني/يناير الماضي، لتسجل بذلك أكبر عملية تهجير لتجمع واحد في الأغوار خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة.

وفي شهادة تُوثق حجم المعاناة الميدانية، أفادت إحدى العائلات التي أُجبرت على إخلاء أرضها عقب إقامة بؤرة استيطانية في محيط سكنهم بأن المستوطنين استباحوا التجمع ليلًا ونهارًا، ونفذوا اعتداءات وسط تهديدات بالتصفية المباشرة في حال لم يغادروا التجمع، هذا عدا عن قطع المياه والكهرباء، ما أجبر العائلة على بيع ماشيتها والرحيل حفاظًا على أرواح أطفالها”.

فلسطين تفقد ثالث أكبر سهولها

يُعدّ سهل البقيعة ثالث أكبر السهول في فلسطين بمساحة إجمالية تقارب 100 ألف دونم، ممتدًا من بلدة طمون قضاء طوباس إلى نهر الأردن.

وبحسب تقسيمات اتفاقية “أوسلو”، تخضع نحو 25% فقط من مساحة سهل البقيعة للتصنيف الإداري والأمني الفلسطيني، أما بقية الأراضي الشاسعة فتقع ضمن مناطق “ج” الخاضعة للسيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية المطلقة.

ويشتكي مزارعون من أن معظم الأراضي التي يزرعونها في سهل البقيعة غير مستغلة حتى بالحد الأدنى، فالاحتلال عدا عن مصادرته للأراضي وطرد المزارعين منها، يحرمهم من الاستفادة من المياه، ولذلك توجه المزارعون نحو الزراعة الحقلية المعتمدة على الأمطار نتيجة لنقص المياه.

وبحسب مجلس بلدي طمون فإن سهل البقيعة يقع على حوض مائي كبير تستغله المستوطنات الإسرائيلية عبر الآبار الارتوازية الضخمة التي حفرتها سلطات الاحتلال، وما يزيد الطين بلة أن جزءًا كبيرًا من الحقول الفلسطينية يتم تدميرها خلال التدريبات العسكرية الإسرائيلية.

وتفاقمت الكارثة في سهل البقيعة خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 2025،  مع صدور أوامر وضع اليد وشق طريق عسكري وسط الأراضي الزراعية. ومنذ ذلك الوقت لم تتوقف أعمال التجريف وتدمير شبكات المياه وعرقلة وصول المزارعين والعمال والآليات إلى أراضيهم.

“انخرب بيتي”. هكذا لخص المهندس الزراعي سعد بشارات مأساته، وهو الذي يملك عشرات الدونمات في سهل البقيعة. يصف بشارات الوضع الميداني في المنطقة بأنه “منكوب”، مشيرًا  إلى أن شحّ المياه أجهز تمامًا على النشاط الزراعي في المنطقة.

ويُوضح بشارات أن السيطرة الإسرائيلية الحالية تجاوزت ما يُسمى بـ “الخيط القرمزي” لتطال الآبار الواقعة قبله، حيث يفرض المستوطنون تهديدات مباشرة على الموارد المائية المتبقية.

يقول بشارات: “تكبدتُ خسائر فادحة، فقد جفّت محاصيل البازيلاء والفلفل الممتدة على مساحة 30 دونمًا جراء انقطاع المياه، وتلف معظم محصول الشمام البالغ 50 دونمًا بعدما أقدم المستوطنون على تخريب خطوط الضخ”.

وأضاف: “نصل إلى أراضينا بشق الأنفس، واليوم قُطعت أسباب العيش فاضطررت لتركها بورًا دون زراعة”.

وفي منطقتي الثعلة والمعيار، يعيش مزارعو العنب حالة من الجفاف الممتد منذ ثلاثة أشهر، جراء تدمير سلطات الاحتلال لمعظم الآبار وتخريب شبكات الأنابيب، مما جعل إيصال كميات شحيحة من المياه أمرًا بالغ الصعوبة.

ويكشف المزارعون عن تصعيد جديد تُنفّذه سلطة المياه الإسرائيلية بالتعاون مع ميليشيات المستوطنين، إذ أُبلغ أصحاب الآبار المتبقية في سهل البقيعة بقرارات هدم عسكرية صادرة عن قيادة الجيش، مع رسالة صارمة للسكان بضرورة نقل مياه الشرب عبر الصهاريج من مدينة طوباس.

وأبدى المزارعون استياءهم الشديد من التعاطي الرسمي مع معاناتهم، إذ اقتصرت تحركات المسؤولين، وفقًا للمزارعين، على الزيارات الميدانية والتصريحات الإعلامية دون تقديم حلول عملية تُنقذ ما تبقى من أراضيهم. ويحذر المزارعون من استغلال أزمتهم في الدعاية الانتخابية مع اقتراب الموعد المقرر للانتخابات التشريعية.

من يملك المياه يملك الأرض

ولا يقتصر الاستهداف على سهل البقيعة وحده، بل يمتد ليشمل كافة قرى الأغوار، وفق ما أكده رئيس مجلس قروي عين البيضا، عمر فقها، في حديثه لـ”الترا فلسطين”، مبينًا أن المعركة في الأغوار الشمالية هي “معركة وجود عنوانها الأول المياه، فمن يملك الماء يملك الأرض” وفق قوله.

ويضيف: “تتحول المياه في الأغوار من مجرد خدمة أساسية إلى أداة تُستخدم لتهجير السكان، حيث يواجه المزارعون عطشًا مستمرًا يتفاقم مع ارتفاع الحرارة، مما أجبرهم على ترك مساحات واسعة من أراضيهم الخصبة، حتى تحولت هذه الأراضي تدريجيًا إلى أراضٍ جافة وبور”.

ولا يتوقف الأمر عند النقص الطبيعي، بل يتعداه إلى حرمان السكان عمدًا من منابعهم، عبر منع أصحاب الينابيع من الوصول إليها، وتدمير شبكات الأنابيب وقطع خطوط الضخ. هذه الاعتداءات لا تستهدف المحاصيل فقط، بل تضرب أصل الدخل وقدرة الناس على العيش، مما يجعل البقاء شبه مستحيل ويُجبر العائلات في النهاية على الرحيل القسري.

تاريخيًا تعتمد مجتمعات البدو في الأغوار على ممرات عرضية بين الأودية للوصول إلى موارد الماء والمراعي. لذلك فإن إقامة بؤرة رعوية في عقدة جغرافية قريبة من نبع، أو “على كتف واد”، لا يؤدي إلى طرد العائلة المقيمة فحسب، بل يُغلَق ممرٌ كاملٌ بنطاق حماية غير رسمي (دراجات نارية، ودوريات مسلحة، وكلاب وكاميرات)، ما يعيد رسم حركة القرى المحيطة.

هكذا فإن سلسلة من البؤر الاستيطانية على مسافات متقاربة تعني “شريط فصل” يمنع التواصل العرضي بين قرى السفوح الشرقية والوسطى، ويجبر الرعاة على مسارات أطول وأكثر تكلفة وخطورة.

تهديد للأمن الغذائي الفلسطيني

تساهم الأغوار بحوالي 60% من إنتاج الخضروات في الضفة الغربية، و30% من إنتاج الفواكه، بالإضافة إلى المحاصيل الاستراتيجية، كالقمح والشعير، إلى جانب قطاع الرعي الذي يشكل جزءًا مهمًا من اقتصاد الأغوار، إذ يعتمد العديد من السكان المحليين على تربية الماشية في المراعي الطبيعية.

وعلى مدار العامين الأخيرين، شهدت مساهمة القطاع الزراعي في الأغوار تراجعًا حادًا في منظومة الأمن الغذائي الفلسطيني.

ويوضح مدير اتحاد المزارعين الفلسطينيين عباس ملحم أن الموسم الماضي شهد تراجعًا حادًا في زراعة القمح وإنتاجه في الأغوار، نتيجة قلة الأمطار، إلى جانب هجمات المستوطنين ورعيهم للأراضي، وخضوع معظم الأراضي ومصادر المياه في المنطقة لسيطرة المستوطنين.

وفي سياق متصل، حذر خبراء ومختصون زراعيون من تراجع إنتاج المحاصيل الزراعية في الأغوار بنسبة قد تتجاوز 80%، وهو ما تتقاطع معه معطيات وزارة الزراعة الفلسطينية التي وثّقت أضرارًا جسيمة ألمّت بموسم الحصاد.

وأفاد الناطق باسم الوزارة محمود فطافطة برصد 127 حريقًا افتعلها المستوطنون عمدًا في الحقول والسهول الزراعية منذ بداية الموسم وحتى أيار/مايو الماضي، ما أسفر عن إحراق ما بين 10 آلاف و19 ألف دونم من محاصيل القمح والشعير في الضفة الغربية.

وبحسب التقديرات الرسمية، تجاوزت الخسائر المباشرة للمزارعين 600 ألف دولار خلال الأسابيع الأولى فقط، ما ضاعف من فداحة الكارثة جراء استهداف المحاصيل في أوج جاهزيتها، وبالتالي حرمان المزارعين من محاصيلهم وتكاليف إنتاجها بعد أشهر من العمل والرعاية.

وفي الوقت الذي يتلقى فيه المستوطنون دعمًا ماليًا هائلاً وغطاءً سياسيًا واسعًا وحماية عسكرية مفتوحة لتثبيت وجودهم على الأراضي المصادرة، يُترك المزارع الفلسطيني وحده في المواجهة، وتتجلى هذه الفجوة في غياب الدعم الحكومي الحقيقي لتعزيز صموده، “فمشروع صندوق الطوارئ”، الذي اقتُرِحَ لتعويض المزارعين ودعمهم في مواجهة الكوارث والاعتداءات، ما زال منذ اقتراحه في عام 2023 معلقًا ولم يُنفّذ حتى اليوم، ما يترك المزارع الفلسطيني يحارب وحده للمحافظة على أرضه ومصدر رزقه.

المصدر: ألترا فلسطين

ي.ك