في عالم يكافئ السرعة والإنتاجية والعمل المتواصل، تبدو الدعوة إلى قضاء بعض الوقت على الأريكة وكأنها تمرد على قواعد الحياة الحديثة. لكن في 10 أغسطس/آب من كل عام، تحل مناسبة طريفة تحمل اسم “اليوم الوطني للكسل” (National Lazy Day)، وتدعو ببساطة إلى تخفيف الإيقاع، وتأجيل بعض المهام، والاستمتاع بقليل من الراحة.
ولا يعد هذا اليوم مناسبة رسمية أو عطلة معترفا بها من الحكومات، كما أن أصوله غير معروفة على وجه الدقة، لكنه أصبح من المناسبات غير الرسمية المتداولة في الولايات المتحدة وعبر منصات الإنترنت، ويوافق 10 أغسطس/آب سنويا.
ورغم أن المناسبة نفسها لا تستند إلى أساس طبي، فإن الفكرة التي تطرحها تفتح بابًا لسؤال أكثر جدية: هل يحتاج الإنسان فعلا إلى فترات لا يفعل فيها الكثير؟ وهل يمكن أن تكون الراحة، التي نصفها أحيانًا بـ”الكسل”، مفيدة للدماغ والجسم؟
عندما يساعد شرود الذهن على الإبداع
قد نتصور أن أفضل الأفكار تأتي عندما نركز بكل طاقتنا على حل مشكلة ما، لكن دراسة شهيرة نشرت عام 2012 في دورية “سيكولوجيكال ساينس” (Psychological Science) قدمت نتيجة أكثر إثارة للاهتمام.
أجرى باحثون من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا تجارب لاختبار ما يعرف بـ”فترة الاحتضان” الإبداعي، ووجدوا أن المشاركين الذين انشغلوا خلال فترة الاستراحة بمهمة بسيطة تسمح للعقل بالشرود تحسن أداؤهم لاحقا في بعض مسائل التفكير الإبداعي مقارنة بمن أدوا مهمة أكثر تعقيدا أو لم يحصلوا على فترة مماثلة.
لكن الدراسة لا تعني أن الاستلقاء وعدم فعل أي شيء يجعلان الإنسان أكثر إبداعا بصورة تلقائية، بل تشير إلى أن الانخراط في نشاط بسيط يسمح بشرود الذهن قد يساعد أحيانًا في عملية الاحتضان الإبداعي، بحيث يواصل العقل معالجة المشكلة بعيدا عن التركيز المباشر عليها.
ولذلك قد يكون الابتعاد قليلا عن المكتب، أو القيام بنشاط روتيني لا يتطلب تركيزا شديدا، أكثر فائدة أحيانا من مواصلة التحديق في المشكلة نفسها لساعات.

الراحة ليست مجرد رفاهية
ولا تتوقف المسألة عند الإبداع. فالاسترخاء يمثل إحدى الأدوات المعروفة للتعامل مع التوتر.
وتشير “مايو كلينك” إلى أن ممارسة تقنيات الاسترخاء يمكن أن تساعد على إبطاء معدل ضربات القلب، وخفض ضغط الدم، وتقليل نشاط هرمونات التوتر، إلى جانب تحسين التركيز والمزاج وتقليل الشعور بالإجهاد.
لكن هناك فارقا مهمًا بين الراحة والاسترخاء وبين الخمول المستمر وقلة النشاط البدني. فالفوائد الصحية المعروفة ترتبط بالراحة الكافية وإدارة التوتر والنوم وتقنيات الاسترخاء، وليس بما يمكن وصفه طبيًا بأنه “الكسل” في حد ذاته.
بمعنى آخر، لا يمنحنا “يوم الكسل” وصفة طبية لقضاء ساعات طويلة على الأريكة، لكنه قد يكون تذكيرا طريفا بأن الجسم والعقل ليسا مصمَّميْن للعمل تحت الضغط بلا توقف.
الإرهاق المستمر له ثمن
وتكتسب الفكرة أهمية أكبر في ظل الحديث المتزايد عن “الاحتراق الوظيفي”. وتعرّف منظمة الصحة العالمية الاحتراق الوظيفي بأنه ظاهرة مرتبطة بالعمل تنتج عن ضغوط مزمنة في مكان العمل لم تُدَرْ بنجاح، وترتبط بالشعور باستنزاف الطاقة أو الإرهاق، وتزايد المسافة النفسية عن العمل، وتراجع الكفاءة المهنية.
ومن هنا، يصبح التوقف عن العمل من وقت إلى آخر جزءًا من إدارة الطاقة والضغط، لا علامة بالضرورة على ضعف الطموح أو الإنتاجية.
لكن هذا لا يعني أن كل شعور بعدم الرغبة في العمل يحتاج إلى يوم على الأريكة. فالتعب المستمر أو فقدان الدافع لفترات طويلة قد تكون له أسباب مختلفة، ولا ينبغي اختزاله ببساطة في “الكسل”.
مدينة تحتفل بالكسل فعلا
وإذا كان “اليوم العالمي للكسل” في 10 أغسطس/آب مناسبة أمريكية غير رسمية في الأساس، فإن للكسل احتفالا آخر أكثر غرابة على بعد آلاف الكيلومترات.
ففي مدينة إتاغوي الكولومبية التابعة لمقاطعة أنتيوكيا، تقام منذ عقود فعالية تحمل اسم “اليوم العالمي للكسل” (Día Mundial de la Pereza)، يخرج خلالها السكان إلى الأماكن العامة حاملين الوسائد والأراجيح والأسرّة، وسط أنشطة فنية وثقافية واستعراضات طريفة. وتظهر سجلات بلدية إتاغوي أن الاحتفال كان قائمًا منذ عقود.
وفي نسخة عام 2025 أقيم الاحتفال في 17 أغسطس/آب، وظهرت الشوارع ممتلئة بالأراجيح والملابس المنزلية والعروض المرتبطة بفكرة “عدم فعل شيء”.
أما هذا العام، فتستضيف إتاغوي خلال الفترة من 8 إلى 17 أغسطس/آب 2026 مهرجانها السنوي للصناعة والتجارة والثقافة، وتتضمن فعالياته مجددا استعراض الأسرّة والعروض المرتبطة بـ”اليوم العالمي للكسل”.
هل نحتاج إلى “يوم كسل”؟
ربما تكمن المشكلة في الكلمة نفسها. فالكسل عادة ما يعني تجنب بذل الجهد رغم القدرة عليه، بينما ما يحتاج إليه الإنسان صحيا هو الراحة والتعافي من المجهود، وهما أمران مختلفان.
ولا توجد أدلة علمية تقول إن تخصيص يوم كامل لـ”عدم فعل شيء” ضرورة صحية، كما لا توجد قاعدة تحدد عدد الساعات التي ينبغي أن يقضيها الإنسان مستلقيًا حتى يستعيد نشاطه.
لكن الأدلة المتاحة تقدم رسالة أكثر بساطة: الاستمرار تحت الضغط بلا فترات كافية للتعافي ليس نموذجا مثاليا للأداء، والاسترخاء يمكن أن يساعد في التعامل مع التوتر، بل إن ترك العقل يسرح أثناء بعض الأنشطة البسيطة قد يمنحه فرصة للوصول إلى حلول لم تظهر أثناء التركيز المكثف.
لذلك، قد يكون أفضل احتفال بـ”يوم الكسل” ألا نتعامل معه باعتباره دعوة إلى الخمول بقدر ما هو إذنٌ مؤقت بالتوقف عن مطاردة الإنتاجية.
أغلق بريدك الإلكتروني لبعض الوقت، اترك المهمة التي يمكن أن تنتظر إلى الغد، اقرأ، شاهد فيلما، أو مارس نشاطا بسيطا لا يحتاج إلى تركيز كبير.
فقد لا يكون “فعل لا شيء” إنجازا في حد ذاته، لكن معرفة متى نتوقف عن “فعل كل شيء” قد تكون مهارة تستحق أن نتعلمها.

