بعد أيام من الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود في مدن الضفة الغربية وقراها، بدأت أزمة المحروقات تتجه إلى انفراج تدريجي، مع تراجع واضح في الازدحام أمام عدد من المحطات، وتحسن وصول البنزين والسولار، وانتظام أكبر في عملية التزود مقارنة بالأيام الأخيرة من الشهر الماضي.
ولا يعني انحسار الطوابير أن أزمة الوقود انتهت بالكامل؛ فالمشهد انتقل من سؤال توفر المحروقات إلى سؤال الكلفة، بعدما دخلت أسعار شهر آب حيز التنفيذ بارتفاعات لافتة على البنزين والسولار والكاز، ما يجعل المواطن أمام أزمة من نوع آخر: الوقود متوفر بشكل أفضل، لكنه أغلى بكثير.
وبحسب تقارير محلية، شهدت محطات في محافظات عدة خلال الأيام الأخيرة انخفاضاً في الازدحام مقارنة بذروة الأزمة، فيما أصبح التزود بالمحروقات أكثر انتظاماً، مع بقاء ضغط متفاوت في بعض المناطق والمحطات. وجاء هذا التحسن بالتزامن مع بدء شحن مبكر لنحو 4.5 مليار شيكل من فائض النقد المتراكم لدى المصارف الفلسطينية إلى الجانب الإسرائيلي، بما ساعد على تخفيف جانب من أزمة السيولة التي أثرت في دورة شراء الوقود وتوريده.
وكانت الضفة الغربية شهدت نهاية الشهر الماضي طوابير طويلة أمام محطات المحروقات، مع نفاد كميات في بعض المحطات، وظهور سوق سوداء باعت الوقود بأسعار أعلى من السعر الرسمي، في مشهد انعكس مباشرة على حركة النقل والعمل والإنتاج.
وتعود جذور الأزمة إلى أكثر من عامل؛ بينها قيود النقل من الجانب الإسرائيلي، ومحدودية عدد الصهاريج المتاحة، وأزمة السيولة النقدية لدى البنوك ومحطات الوقود، إضافة إلى حالة الهلع التي دفعت مواطنين إلى تعبئة خزاناتهم بالكامل أو تخزين الوقود في غالونات، ما ضاعف الضغط على المحطات. وكان مدير عام الهيئة العامة للبترول، مجدي الحسن، قد قال إن الهيئة تورّد يومياً ما يقارب 3 ملايين لتر من المحروقات للسوق الفلسطينية، وإن المشكلة لم تكن في الكميات المتوفرة لدى الهيئة بقدر ما ارتبطت بعوائق النقل والسلوك الاستهلاكي وحلقة المدفوعات.
كما أعلن وزير المالية والتخطيط، إسطفان سلامة، في وقت سابق، أن أزمة السيولة النقدية مع محطات الوقود عولجت بصورة مؤقتة، وأن الجهود تتركز على تذليل عقبات النقل، بعد أن طلب الجيش الإسرائيلي تشغيل نحو 250 صهريجاً من أصل 450 صهريجاً كانت تنقل المحروقات للسوق الفلسطينية. وأشار إلى آلية جديدة مع نقابات المحروقات والغاز تلزم المحطات بتقديم طلبات احتياجاتها قبل شهر كامل لضمان مخزون استراتيجي يكفي أسبوعين على الأقل.
ومع تحسن التوريد، تراجع المشهد الأكثر إرباكاً للمواطنين: الطوابير. فالمحطات التي شهدت ازدحاماً خانقاً بدأت تستقبل كميات أكثر انتظاماً، ما أعاد جزءاً من الحياة اليومية إلى طبيعتها، خصوصاً لسائقي العمومي والمواطنين الذين كانوا يضطرون إلى الانتظار ساعات لتعبئة سياراتهم.
لكن الهدوء النسبي أمام الكازيات لا يلغي العبء الجديد الذي فرضته أسعار آب. فقد ارتفع سعر لتر بنزين 95 إلى 7.99 شيكل، بعدما كان 7.38 شيكل في تموز، فيما صعد سعر لتر السولار والكاز إلى 8.56 شيكل، مقارنة بـ7.19 شيكل الشهر السابق. كما بلغ سعر لتر بنزين 98 نحو 9.05 شيكل، وارتفع سعر أسطوانة الغاز وزن 12 كيلوغراماً إلى 85 شيكل.
وهذا يعني أن الأزمة، في صورتها اليومية، لم تعد مرتبطة فقط بالسؤال: “هل أجد بنزيناً؟”، بل بالسؤال الأثقل على جيب المواطن: “كم سأدفع عند التعبئة؟”. فالزيادة على السولار، تحديداً، لا تبقى داخل محطة الوقود، بل تنتقل سريعاً إلى كلفة النقل العمومي، والشحن، وتوزيع البضائع، وتشغيل بعض المنشآت التي تعتمد على المولدات أو المركبات العاملة بالديزل.
وقد بدأت آثار الارتفاع تظهر في قطاع النقل، إذ أعادت وزارة النقل والمواصلات الفلسطينية، اعتباراً من 1 آب/أغسطس، تعرفة النقل العمومي إلى المستوى الذي كانت عليه في 1 نيسان/أبريل 2026، بعد الارتفاع الأخير في أسعار المحروقات، وفي مقدمتها السولار الذي وصل سعره إلى 8.56 شيكل للتر. ويطال القرار نحو 11.8 ألف مركبة نقل عمومي ومرتبطة بخدمات النقل في الضفة الغربية، بينها 9,392 سيارة أجرة و844 حافلة عمومية و1,563 حافلة خصوصية.
وبذلك، يمكن القول إن طوابير الكازيات في الضفة تراجعت إلى حد كبير، وربما اختفت في مناطق عدة، لكن الأزمة لم تغادر حياة الناس تماماً. فقد انتقلت من أزمة تزويد وانتظار إلى أزمة كلفة وضغط معيشي، في ظل أسعار مرتفعة للمحروقات وتبعات مباشرة على النقل والأسواق.
ويبقى انتظام التوريد في الأيام المقبلة هو الاختبار الحقيقي لانتهاء الأزمة من محطات الوقود. فإذا استمرت الكميات بالوصول بصورة طبيعية، وتراجعت حالة التخزين والطلب الزائد، فإن الطوابير قد تبقى خلفنا. أما التحدي الأكبر الآن، فهو كيف ستتعامل الأسر والسائقون والقطاعات الاقتصادية مع موجة الأسعار الجديدة، في وقت تشكل فيه المحروقات مؤشراً يومياً على كلفة الحياة في الضفة الغربية.

