في أعالي قمم جبل مرة، غرب دارفور، وتحديدا في قرية تبرا النائية بمنطقة قولو، يجلس طفل منهك على الأرض، وقد غطت جسده بقع حمراء تنتشر كالنار في الهشيم.
أمه تجلس بجانبه، لا تستطيع فعل شيء سوى مسح جسده بخلطة عجنية من الطين وبعض المكونات المحلية، اعتقادا منها أنه العلاج. هنا لا مستشفى قريب، ولا طبيب يمر، ولا لقاح يحمي.
هذا المشهد لم يعد استثناءً في جبل مرة، حيث يعود وباء الحصبة ليضرب بقوة جديدة، محولاً قرى بأكملها إلى بؤر للعدوى في منطقة تعاني من انهيار شبه كامل في الخدمات الصحية بعد 3 سنوات من الحرب.

تفشٍ جديد
وفقا لبيانات غرفة طوارئ منطقة قولو بجبل مرة، سجلت قرية تبرا في الفترة من 26 إلى 28 يوليو/تموز الماضي، 32 حالة إصابة مؤكدة بالمرض، إلى جانب تفشي حالات في قرى مجاورة لم يتم حصرها بعد، تزامنا مع نداء استغاثة عاجل أطلقته غرف الطوارئ في 23 يوليو/تموز، محذرة من خطر تفشي المرض في المدينة والقرى المجاورة.
يقول مسؤول الصحة بغرفة طوارئ قولو، عامر موسى، للجزيرة نت: “رصدنا ظهور عشرات الحالات المؤكدة للمرض في قرية تبرا، وهم من طلاب تحفيظ القرآن الكريم. إمكانات الغرفة شحيحة، ولا نملك الأدوية الكافية لمواجهة هذا التفشي”.
وأوضح موسى أن المرض شديد العدوى، ويشكل تهديدا خطيرا على حياة الأطفال، خاصة في ظل التدهور الحاد في الخدمات الصحية وانعدام اللقاحات والأدوية.
وناشد موسى المنظمات الإنسانية والوكالات الصحية الدولية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية، واليونيسيف، وأطباء بلا حدود، بالتدخل العاجل لاحتواء الوضع، كما طالب بـ:
- إرسال فرق تقصٍّ وبائي واستجابة سريعة لتأكيد الحالات وحصرها.
- تزويد المراكز الصحية بالمستلزمات الضرورية (فيتامين أ، خافضات الحرارة، والمحاليل الوريدية).
- الإسراع في تنظيم حملة تطعيم احتوائية لمنع انتشار العدوى للقرى المجاورة.
وأكد أن أي تأخير في الاستجابة الإنسانية قد يؤدي إلى ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات، محذرا من أن الأوضاع الصحية في المنطقة تشهد تدهورا متسارعا بسبب استمرار الحرب، وضعف خدمات الرعاية الصحية، ونقص اللقاحات والأدوية.

أرقام صادمة
ولا تقتصر مأساة الحصبة على جبل مرة وحدها، بل تمتد إلى معظم ولايات دارفور. ففي الأشهر الـ4 الأولى من عام 2026 وحدها، عالجت فرق أطباء بلا حدود ما لا يقل عن 13 ألف حالة حصبة في الإقليم، وفقا لتقرير صادر عن المنظمة في 30 أبريل/نيسان 2026.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، كانت منطقة طويلة بشمال دارفور بؤرة ساخنة، حيث سجلت 957 حالة خلال ذلك الشهر وحده. أما في شرق دارفور، فقد قتل المرض نحو 70 شخصا في منطقة “لبدو” وحدها. وتشير تقديرات اليونيسيف إلى أنه تم الإبلاغ عن أكثر من 3300 حالة حصبة على مستوى السودان.
وتؤكد منظمة أطباء بلا حدود أن 3 سنوات من الحرب في السودان فككت برامج التطعيم وانهارت أنظمة الترصد الوبائي، مما أدى إلى تغذية الأوبئة القاتلة التي كان يمكن الوقاية منها.
علاجات تقليدية
يقول إبراهيم آدم، أحد أعيان قرية تبرا بجبل مرة، للجزيرة نت: “بدأ المرض في التفشي منذ بداية شهر يوليو/تموز من شخص واحد، ثم تمدد إلى الآخرين، إلى أن وصل عدد المصابين إلى 33 شخصا”. وأوضح أن المنطقة تعاني من نقص حاد في الغذاء والمستلزمات الطبية، إضافة إلى شح الكوادر المؤهلة.
ويقول الناشط المحلي سليمان آدم: “لعدم وجود اللقاحات والعلاج، يقوم السكان بتداوي المرض بخلطة من الطين، اعتقادا منهم أنه يعالج”. ويضيف: “هذه الخلطة ليست علاجا، لكنها الحل الوحيد المتاح أمامنا في ظل غياب الدواء والطبيب”.
انهيار صحي
يكشف تفشي الحصبة في جبل مرة عن انهيار شبه كامل في المنظومة الصحية، نتيجة الحرب المستمرة، فقد توقفت برامج التطعيم الروتينية بشكل شبه كامل منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.
وتضاف إلى ذلك تحديات لوجستية هائلة، حيث تنتقل الفرق الطبية أحيانا على ظهور الحمير للوصول إلى القرى المعزولة، وفقا لما أكده مسؤول الصحة بغرفة طوارئ قولو. وتؤكد منظمة أطباء بلا حدود أن تنظيم حملات التطعيم في السودان يعني التنقل بجرعات غير كافية، وسلاسل إمداد مكسورة، ونقص في الملقحين المدربين.
ويقول المتحدث الرسمي باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين، آدم رجال، في حديث للجزيرة نت: “مخيمات النزوح في مختلف أنحاء السودان تمثل أزمة إنسانية وصحية متفاقمة تجاوزت حدود التحمل البشري”.
وأضاف أن “الأطفال والنساء يتحملون وطأة الأزمة، وتفاقم سوء التغذية ونقص الغذاء والمياه النظيفة ترافقت مع صدمات نفسية متصاعدة، وعدد كبير من المرافق الصحية توقف عن العمل، في حين اشتد انتشار الأمراض المعدية مثل الملاريا والحصبة والإسهال المائي”.

أمراض متفاقمة
وفي بيان صحفي صادر عن المنسقية العامة بتاريخ 27 يوليو/تموز 2026، حذّر آدم رجال من أن المخيمات تحولت إلى بؤر لتفشي الأوبئة ومشاهد لانهيار إنساني شامل. وأشار البيان إلى أن آلاف الأطفال يعانون من سوء التغذية الحاد، مما يضعف مناعتهم ويجعلهم فريسة سهلة للأمراض. كما أكد انتشار الملاريا والإسهال والتهابات الجهاز التنفسي بشكل متصاعد.
وكشف البيان عن تسجيل 7 حالات كوليرا مؤكدة في دارفور خلال الفترة من 5 إلى 25 يوليو/تموز 2026، موزعة بين ولايات جنوب ووسط وشمال دارفور. وطالب رجال الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والمنظمات الإنسانية باتخاذ إجراءات فورية لإرسال الغذاء والدواء والمياه النظيفة، وإجراء تحقيق دولي في الانتهاكات التي أدت إلى هذا الانهيار الإنساني.
اكتظاظ قاتل
إلى جانب تفشي الحصبة والأمراض المعدية، يعاني نازحو جبل مرة من أوضاع معيشية كارثية تزيد من معاناتهم. فمع استمرار تدفق النازحين الفارين من جحيم الحرب، لجأ الآلاف منهم إلى قرى ومناطق جبل مرة، حيث أقاموا مساكن مؤقتة على سفوح الجبال وبين الصخور، اعتقادا منهم أن الارتفاعات الوعرة قد توفر لهم بعض الأمان من الهجمات البرية التي تشنها قوات الدعم السريع.
ولكن هذا الأمان الوهمي تحول إلى فخ مميت، ففي غياب التخطيط والخدمات الأساسية، يعيش النازحون في اكتظاظ سكاني مروع، حيث تتشارك العائلات الواحدة في حجرات ضيقة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار، بين جدران من الحجارة أو خيام بالية لا تحميهم من حر الصيف ولا برد الليل.
ويقول أبو بكر هارون، أحد النازحين بجبل مرة، للجزيرة نت: “بنينا مساكننا على قمم الجبال هربا من الموت، لكننا لم ننجُ من خطر آخر. الثعابين والعقارب تنتشر بين خيامنا، وتلدغ أطفالنا ليلا، ولا نجد مصلا أو دواء. الاكتظاظ يجعل المرض ينتقل بيننا كالنار في الهشيم، ولا توجد عيادة واحدة تخدم الآلاف منا”.
مخاطر متصاعدة
ومع استمرار تدفق النازحين إلى جبل مرة، تتفاقم الأوضاع الصحية والبيئية في المنطقة بشكل ينذر بكارثة وشيكة. يؤكد موسى أن انتشار القوارض والثعابين في محيط المساكن المؤقتة، حوّل هذه التجمعات الجبلية إلى بيئات مثالية لتكاثر الحشرات الناقلة للأمراض والزواحف السامة.
وأوضح أن المرض ينتقل بسرعة فائقة بين الأطفال الذين تضعف مناعتهم بسبب سوء التغذية الحاد ونقص الرعاية الصحية الأساسية. ففي غياب المراكز الصحية والأدوية، يجد الأهالي أنفسهم عاجزين عن مواجهة تفشي الأوبئة، مما يحوّل أي إصابة بسيطة إلى خطر محدق بالحياة، خاصة مع شح الأمصال المضادة للدغات العقارب وغياب اللقاحات الضرورية.
ويحذر موسى من أن استمرار تفشي الحصبة في جبل مرة، مع دخول موسم الأمطار قد يؤدي إلى كارثة صحية لا تحمد عقباها، فالأمطار الغزيرة ستجرف الخيام والمساكن المؤقتة، وتلوث مصادر المياه المحدودة، وتزيد من انتشار الأمراض المعدية كالكوليرا والملاريا، مما قد يحول جبل مرة إلى ساحة موت صامتة تتسع رقعتها يوما بعد يوم.
ويؤكد مسؤول الصحة بغرفة طوارئ قولو أن عدم التدخل العاجل لتوفير المأوى الآمن والمياه النظيفة والأدوية واللقاحات، سيحول هذه الأزمة إلى مأساة إنسانية تطال آلاف الأطفال والعائلات النازحة التي فقدت كل شيء، ولم يبقَ لها سوى الأمل في نجدة تلوح في الأفق.
وسعت الجزيرة نت للحصول على تعليق من قوات الدعم السريع حول تقارير عرقلة وصول المساعدات الإنسانية واللقاحات إلى مناطق سيطرتها، وذلك عبر التواصل مع الناطق الرسمي باسمها عبر القنوات المتاحة، لكنها لم تتلق أي رد حتى لحظة نشر التقرير.
وفي قرى جبل مرة النائية، يجلس الأطفال المصابون بالحصبة تحت خيام بالية، يئنون من الألم ولا يجدون دواءً. كانوا يحلمون بالغد، فإذا هم يكافحون اليوم من أجل البقاء على قيد الحياة.
وبين انهيار المنظومة الصحية واستمرار الحرب، تظل الأسئلة معلقة: كم طفلاً سيموت قبل أن تصلهم اللقاحات؟ وكم نداء استغاثة سيُطلق قبل أن يتحرك العالم؟

