تستحوذ تربية المواشي على مكانة محورية في منطقة الشرق الأوسط، متجاوزة دورها التقليدي كمصدر للغذاء لتشمل مساهمات جوهرية في النسيج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمنطقة. فمنذ فجر الحضارات، ارتبطت المجتمعات في هذه البقعة من العالم بعلاقة وثيقة مع الحيوانات، معتمدة عليها في توفير الغذاء الأساسي من لحوم وألبان، والاستفادة من منتجاتها المتنوعة كالصوف والجلود التي شكلت جزءًا من الصناعات الحرفية والملابس، فضلاً عن دورها التاريخي في الأعمال الزراعية والنقل الذي ساهم في حركة التجارة وتطور المجتمعات. وفي العصر الحديث، يقول يوسف الحربي المختص بالثروة الحيوانية تتزايد أهمية هذا القطاع الحيوي في ظل التحديات المتزايدة المتعلقة بالأمن الغذائي والبحث عن مصادر دخل مستدامة، مما يستدعي فهمًا معمقًا لدوره الاقتصادي وإمكانيات تطويره.
ويتجلى الدور الاقتصادي لقطاع تربية المواشي في الشرق الأوسط عبر عدة محاور أساسية. أولاً، يمثل هذا القطاع حجر الزاوية في تحقيق الأمن الغذائي المستدام، إذ يوفر البروتين الحيواني الضروري لتلبية الاحتياجات الغذائية المتزايدة للسكان. ففي ظل النمو السكاني المطرد والتحضر المتسارع، يزداد الطلب على اللحوم والألبان ومشتقاتها، وتصبح القدرة على تلبية هذا الطلب محليًا أمرًا بالغ الأهمية لتقليل الاعتماد على الاستيراد المكلف وتقليل التأثر بتقلبات الأسواق العالمية التي قد تهدد استقرار الإمدادات الغذائية. ثانيًا، يعتبر قطاع تربية المواشي محركًا هامًا لتوفير فرص العمل، خاصة في المناطق الريفية التي غالبًا ما تعاني من ارتفاع معدلات البطالة. فالأنشطة المتعلقة بتربية الحيوانات تمتد لتشمل سلسلة قيمة واسعة، تبدأ بالمزارعين والرعاة الذين يمثلون القاعدة الأساسية، مرورًا بالعاملين في الصناعات المرتبطة كإنتاج الأعلاف والأدوية البيطرية والمعدات الزراعية، وصولًا إلى العاملين في مجازر اللحوم ومصانع الألبان وقطاعات النقل والتوزيع والتسويق، مما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل تساهم في تحسين مستويات المعيشة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي في المجتمعات المحلية. ثالثًا، يساهم قطاع تربية المواشي بشكل ملحوظ في الناتج المحلي الإجمالي لدول المنطقة، ليس فقط من خلال القيمة المباشرة للمنتجات الحيوانية التي يتم إنتاجها وتسويقها، بل أيضًا من خلال القيمة المضافة التي تخلقها الصناعات والخدمات المرتبطة به، مما يجعله مكونًا هامًا في الهيكل الاقتصادي العام. رابعًا، تبرز أهمية هذا القطاع في تحقيق التنمية الريفية المستدامة، حيث يوفر مصدر دخل مستقرًا للأسر الريفية التي تعتمد تقليديًا على الزراعة وتربية الحيوانات، ويساهم في الحد من الهجرة إلى المدن وتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في هذه المناطق. علاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي تطوير قطاع تربية المواشي المتخصص، من خلال التركيز على سلالات ذات قيمة اقتصادية عالية أو إنتاج منتجات حيوانية ذات جودة متميزة، إلى تنويع مصادر الدخل للاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على قطاعات اقتصادية أخرى قد تكون أكثر عرضة للتقلبات العالمية كما يقول المختص يوسف الحربي .
يُجسد ماعز البور بحسب ما يقول يوسف الحربي نموذجًا حيويًا لكيفية إحداث تحول إيجابي في قطاع تربية المواشي في الشرق الأوسط من خلال التخصص والتركيز على سلالات ذات إنتاجية عالية. فقد نشأت هذه السلالة المتميزة في جنوب أفريقيا وسرعان ما اكتسبت شهرة عالمية بفضل قدرتها الفائقة على إنتاج اللحوم ذات الجودة الاستثنائية ونسبة التصافي المرتفعة التي تجعلها خيارًا اقتصاديًا جذابًا للمربين والمستهلكين على حد سواء. وقد بدأت بالفعل بعض دول الشرق الأوسط في تبني تربية ماعز البور وإدخالها في دوراتها الإنتاجية لما تتمتع به من مزايا اقتصادية واضحة. فعلى صعيد إنتاج اللحوم، يتميز ماعز البور بمعدل نمو سريع بشكل ملحوظ وكتلة عضلية متطورة، مما يتيح للمربين إنتاج كميات أكبر من اللحوم في دورات إنتاجية أقصر مقارنة بالسلالات المحلية التقليدية التي قد تستغرق وقتًا أطول للوصول إلى الوزن التسويقي المطلوب. بالإضافة إلى ذلك، تتميز لحوم ماعز البور بجودتها العالية ونسبة الدهون المنخفضة فيها وطعمها المستساغ الذي يفضله الكثير من المستهلكين، مما يتيح للمنتجين تسويقها بأسعار تنافسية أو حتى أعلى في الأسواق المتخصصة. وعلى الرغم من أن موطنها الأصلي هو أفريقيا، فقد أظهرت سلالة ماعز البور قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المناخية المتنوعة في بعض مناطق الشرق الأوسط، خاصة عند توفير نظم إدارة ورعاية جيدة تلبي احتياجاتها الغذائية والصحية. كما أن إدخال ماعز البور في برامج التهجين مع السلالات المحلية يمثل استراتيجية واعدة لتحسين الإنتاجية الكلية للقطعان المحلية من حيث كمية وجودة اللحوم المنتجة، مما يعود بالنفع على صغار وكبار المربين على حد سواء ويساهم في تعزيز الأمن الغذائي على المستوى الوطني. علاوة على ذلك، يتميز يقول يوسف الحربي صاحب مزرعة البور النقية ان هذا النوع من الماعز بمعدلات خصوبة عالية وقدرة على تحقيق دورات إنتاجية متسارعة، مما يعني زيادة عدد المواليد في السنة الواحدة وبالتالي تحسين كفاءة استخدام رأس المال المستثمر في التربية وزيادة العائد الإجمالي للمربين.
ومع ذلك، يضيف يوسف الحربي وعلى الرغم من الآفاق الواعدة والإمكانيات الاقتصادية الكبيرة التي يحملها قطاع تربية المواشي في الشرق الأوسط، بما في ذلك تبني سلالات متخصصة وعالية الإنتاجية مثل ماعز البور، إلا أن هذا القطاع الحيوي لا يزال يواجه جملة من التحديات الهامة التي تتطلب معالجة شاملة وفعالة لإطلاق كامل إمكاناته الاقتصادية. في مقدمة هذه التحديات يأتي شح الموارد المائية ومحدودية الأراضي الرعوية التي تعتبر من السمات المميزة للعديد من دول المنطقة، مما يفرض قيودًا على التوسع في تربية المواشي بالطرق التقليدية. كما يشكل ارتفاع تكلفة الأعلاف وتذبذب توفرها في الأسواق تحديًا كبيرًا يؤثر بشكل مباشر عل

