المعارك لا تنتهي في رأسك.. لماذا نعيد المشاجرات ونبتكر ردودا متأخرة؟
08 نوفمبر 2026
(شباب اف ام) -
كم مرة خضت مشاجرة افتراضية في ذهنك، وقلت خلالها كل ما عجزت عن قوله في الحقيقة؟ وكم مرة خضت مواجهات لم تحدث أصلا، واستعددت لها بردود واعتراضات وشروح كاملة في ذهنك؟
هذه السجالات المتخيلة مألوفة وشائعة بين الكثيرين، وقد تساعد فعلا في بعض الحالات على ترتيب الأفكار والاستعداد للمواقف الصعبة. لكن عندما تتكرر بلا توقف، وتستنزف صاحبها، تتحول من تمرين ذهني مفيد إلى دائرة من التفكير المرهق دون فائدة.
لماذا نجادل شخصا غير موجود؟
يسمي الباحثون في علوم التواصل والاجتماع هذه الظاهرة “التفاعلات المُتخيلة” (Imagined Interactions)، وهي محادثات يجريها الإنسان ذهنيا مع أشخاص يعرفهم، وقد يستعيد خلالها مواقف سابقة أو يتدرب على أخرى محتملة لم تقع بعد.
وفي مراجعة بحثية نشرتها المجلة السنوية لـ”الرابطة الدولية للاتصال”، يوضح الباحثون أن لهذه الحوارات وظائف متعددة، منها:
التدرب على التواصل.
فهم الذات.
إدارة الخلافات.
التنفيس عن المشاعر.
فالشخص الذي يستعد لطلب زيادة راتبه قد يتخيل اعتراضات مديره ليرتب حججه، بينما يعيد آخر نقاشا مع شريك حياته لأنه لم يستطع التعبير عن استيائه أثناء المواجهة.
وتوضح الاختصاصية النفسية لوسيا فرنانديز، في تقرير نشرته صحيفة “إل باييس” الإسبانية، أن استعادة المحادثات قد ترتبط بمشاعر لم يعبر عنها صاحبها، أو بكلمات بقيت حبيسة ذهنه، فيحاول استكمال الحوار ذهنيا بحثا عن نهاية مرضية.
ويضاف إلى ذلك الخوف من الرفض الاجتماعي. فقد ينشغل الإنسان بتفسير صمت شخص آخر أو تعبير وجهه، لأنه يريد التأكد من أنه لم يتعرض للإحراج أو يفقد تقدير الآخرين.
وهكذا، قد تؤدي المحادثة المتخيلة وظيفة مفيدة عندما تنتهي بفهم أو استعداد أفضل، لكنها تصبح مرهقة إذا ظل صاحبها يبحث عن إجابة لسؤال: ما الذي يفكر فيه الآخرون
الشجارات المُتخيلة قد تبدو حقيقية
المثير للاهتمام في هذه الظاهرة أن الإنسان كلما كرر تخيل موقف، قد يشعر بأنه أكثر احتمالا للحدوث، حتى دون ظهور أي دليل جديد على ذلك.
اختبر هذه المسألة باحثون من جامعة هارفارد، في دراسة نشرتها مجلة علم النفس التجريبي، طلب فيها من 30 مشاركا تخيل تجارب اجتماعية مستقبلية، بعضها إيجابي وبعضها سلبي أو محايد، ثم إعادة تخيل مجموعة منها أربع مرات.
وجد الباحثون أن تكرار تخيل الأحداث المشحونة عاطفيا رفع تقدير المشاركين لاحتمال وقوعها، بخلاف الأحداث المحايدة. وكانت هذه الأحكام مرتبطة بزيادة سهولة تخيل تفاصيل الموقف، والانفعال المصاحب له.
لا تثبت هذه الدراسة الصغيرة بالطبع أن التخيل وحده قادر على أن يجعل الأحداث تقع فعليا، وإنما تكشف تأثير التكرار في إحساس الإنسان باحتمال وقوع تلك المواقف.
وهكذا، قد يؤدي تكرار سيناريو تلقي إهانة من زميل في العمل مثلا إلى جعل الشخص أكثر توقعا للسلوك العدائي واستعدادا له في اللقاء التالي، رغم أن المواجهة المتخيلة لم تحدث فعليا.
متى يتحول تفكيرك لحلقة من الاجترار؟
الفارق الأساسي بين التفكير والاجترار يتعلق بالنتيجة والأثر الذي يتركه كل منهما في الشخص. فمراجعة موقف مزعج وإعادة معايشته والتفكير فيه قد تساعد على فهم ما حدث واتخاذ قرار مختلف لاحقا، أما “الاجترار الذهني – Rumination” فهو دوران متكرر حول الأفكار والمشاعر السلبية نفسها دون الوصول إلى خطوة جديدة.
وتشرح أستاذة علم النفس السريري شانون ساور زافالا، في مجلة سايكولوجي توداي، المتخصصة في علم النفس، أن الاجترار يبدو أحيانا كأنه محاولة لحل المشكلات، إذ يشعر الإنسان بأنه يبذل جهدا لفهم الموقف، لكن إعادة تحليله تؤدي إلى إبقاء الانزعاج حاضرا.
والمفارقة أن التفكير المتكرر قد يقود صاحبه إلى فكرة مفيدة من حين لآخر، مثل إيجاد عبارة مناسبة للاعتذار أو للمواجهة، وهذه المكافآت المتقطعة قد تشجعه على مواصلة العادة حتى عندما تصبح مرهقة ومستنزفة لطاقته.
وتكشف مراجعة علمية شملت 35 دراسة حول هذه الفكرة وجود ارتباط متوسط بين اجترار المواقف الاجتماعية بعد انتهائها وأعراض القلق الاجتماعي، لكن هذا الارتباط لا يثبت أن أحدهما يسبب الآخر، إذ قد تتداخل عوامل أخرى في هذه العلاقة.
اللافت أن المشكلة ليست دائما في تذكر التفاصيل بحد ذاته، فقد أظهرت تجارب تناولها تقرير نشرته جامعة إكستر البريطانية أن مراجعة المواقف المزعجة بصورة ملموسة، مع التركيز على ما جرى وكيف جرى، قد تساعد على التعامل معها بصورة بناءة.
أما الانشغال بأسئلة مجردة مثل: لماذا يكرهني الجميع؟ أو ماذا يكشف هذا الموقف عن شخصيتي؟ فقد يدفع إلى تعميم حادثة واحدة على العلاقات والحياة بأكملها. لذلك، قد تكون طريقة مراجعة الخلافات في ذهنك أهم من مجرد استعادتها.
كيف توقف الشجار الدائر في رأسك؟
لتهدئة الصخب الدائر في رأسك، يمكنك البدء بتحويل الحوار المتخيل إلى سؤال عملي محدد، مثل: ما الذي أحتاج إلى فعله بشأن هذا الموقف؟
وبهذا ينتقل التفكير من محاولة الانتصار في مشاجرة خيالية إلى الاستعداد لتواصل حقيقي بنّاء مستقبلا. وتقترح المعالجة النفسية ساندرا وارتسكي، في سايكولوجي توداي، استخدام الكتابة لاستكشاف المشاعر أو صياغة رسالة لا تُرسل إلى الطرف الآخر. لكنها تنبه إلى أن الكتابة نفسها قد تتحول إلى اجترار إذا اقتصرت على تكرار الألم دون تغيير زاوية النظر إليه.
ولمن يجد نفسه يعود إلى الحوارات نفسها طوال اليوم، توصي هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية بتخصيص فترة قصيرة، من 10 إلى 15 دقيقة، لتدوين المخاوف والبحث عن حلول ممكنة. وعندما تتسلل الفكرة خارج هذه الفترة، يمكن تأجيل مناقشتها ذهنيا والعودة إلى النشاط الحالي.
كذلك لا تتطلب مغادرة دائرة الاجترار إقناع النفس بأن الخلاف لم يكن مؤلما أو تجاهله كليا. فقد أوضح عالم النفس إيثان كروس، في حوار مع صحيفة الغارديان، أن الابتعاد النفسي عن المشكلة يعني النظر إليها من منظور أوسع، دون إنكار المشاعر أو الاستغراق فيها.
أما إذا أصبحت الحوارات المتكررة تؤثر باستمرار في النوم أو التركيز أو العلاقات، فقد يكون طلب مساعدة اختصاصي نفسي خطوة مناسبة، خصوصا عندما يصعب إيقافها رغم المحاولات.