نقف اليوم أمام لحظة تربوية فارقة تختبر معنى المدرسة ودورها في سياق شديد التعقيد، يتجاوز مجرد فتح أبوابها. فبعد انقطاع فرضته الحرب، وفي ظل هدنة ما تزال تحمل طابعاً مؤقتاً، وفي سياق سابق شهد تآكلاً في انتظام التعليم، يعود الطلبة إلى مدارسهم حاملين خبرات متباينة من الانقطاع والتكيف والقلق. لذلك يتجاوز السؤال فكرة العودة إلى التعليم الوجاهي، ليصل إلى طبيعة المدرسة التي تستقبل هؤلاء الطلبة، والمعنى الذي يُعاد بناؤه للتعلم ذاته.
يتصل استقبال الطلبة في هذه المرحلة بإعادة وصل العلاقة مع المدرسة بوصفها فضاءً للتعلم والانتماء معاً. فقد شهدت هذه العلاقة خلال الفترة الماضية تحولات عميقة؛ إذ غاب الحضور المكاني، وتحوّل التعلم إلى تجربة رقمية متفاوتة، وتراجع الإحساس بثبات الإيقاع المدرسي. وقد أفرز هذا الواقع تبايناً واضحاً بين الطلبة في مستويات التعلم ودرجة الارتباط بالمدرسة، بما يعكس حالة اغتراب تربوي يمكن تلخيصها في أن الطالب عاد، لكنه لم يعد كما كان.
كشفت تجربة التعليم عن بعد، بوصفها استجابة ظرفية، عن فجوات متعددة تمثلت في مشاركة غير متكافئة، وتفاعل محدود في كثير من الحالات، في ظل تحديات تتعلق بتوفر الأجهزة، وجودة الاتصال، وجاهزية المحتوى الرقمي، إلى جانب تراجع الدافعية لدى بعض الطلبة. وفي المقابل خاض المعلم هذه التجربة تحت ضغوط مهنية ومعيشية معقدة، في ظل أزمة الرواتب وارتفاع تكاليف الحياة، ما أثر في قدرته على التكيف مع متطلبات التحول المفاجئ، حيث تحققت الاستمرارية جزئياً دون أن تتحقق العدالة التعليمية بالشكل المطلوب.
وعند النظر إلى الصورة الأوسع، يتضح أن ما نعيشه اليوم امتداد لمسار تراكمي من تآكل الزمن التعليمي. فقد شهدت السنوات الماضية تقليصاً في زمن الحصة الصفية من 45 دقيقة إلى 40 دقيقة منذ عام 2006، ثم توالت الانقطاعات المرتبطة بإضرابات المعلمين، وجائحة كورونا، إضافة إلى التحديات المرتبطة بصعوبة الوصول إلى التعليم بفعل الظروف السياسية والأمنية. ومع تقليص أيام الدوام إلى أربعة أيام ثم إلى ثلاثة أيام أسبوعياً، تراجعت المساحة الزمنية المخصصة للتعلم دون وجود خطة شاملة لمعالجة هذا التراجع. وهنا يتضح أن الإشكال لم يعد مجرد فجوة تعلم، بل تآكلاً تدريجياً يمس بنية المنظومة التعليمية في جوهرها.
في هذا الواقع، يبرز البعد النفسي والاجتماعي بوضوح؛ إذ يعود الطلبة حاملين خبرات انقطاع، ومشاعر قلق، وتغيرات في أنماط حياتهم اليومية، وتبايناً في درجات الشعور بالأمان والانتماء داخل المدرسة، ما يجعل لحظة العودة محمّلة بتحديات تتجاوز التحصيل الأكاديمي.
المدخل التفسيري والسياساتي
يعكس هذا التراكم تحولاً عميقاً يمس بنية العملية التعليمية، حيث يرتبط التعلم ارتباطاً وثيقاً بالزمن والاستمرارية والإيقاع المنتظم. ومع اهتزاز هذه العناصر، تتأثر القدرة على التعلم بصورة تراكمية، ويتسع التفاوت بين الطلبة.
ومن منظور سياساتي، تكشف الاستجابات السابقة ميلاً إلى إدارة الانقطاع وضمان الحد الأدنى من الاستمرارية، دون تطوير بدائل مستدامة تعالج جذور الخلل. فقد جرى التعامل مع التعليم عن بعد كأداة تقنية ظرفية، في حين بقيت قضايا العدالة في الوصول وجودة المحتوى وجاهزية المعلم ضمن مستويات غير مكتملة المعالجة.
كما أن غياب رؤية واضحة للتعامل مع تراجع الزمن التعليمي يعكس خللاً في تقدير هذا المورد بوصفه عنصراً مركزياً في العدالة التربوية. فحين يتقلص الزمن دون تعويض أو إعادة تنظيم، تتعمق الفجوات ويتحول التفاوت إلى سمة بنيوية في النظام التعليمي.
وفي السياق ذاته، تتعزز أهمية البعد النفسي والاجتماعي، حيث يتشكل التعلم داخل بيئة آمنة يشعر فيها الطالب بالانتماء، وتتوفر فيها مساحات للتعبير والتفاعل وبناء العلاقة مع التعلم. ومع تراجع هذه العناصر، تتراجع فاعلية التعلم حتى في حال توفر المحتوى.
التحول من استئناف التعليم إلى استعادة التعلم
في ضوء هذا التشخيص، تبرز حاجة ملحة إلى تحول مفاهيمي يتمثل في الانتقال من منطق استئناف التعليم إلى منطق استعادة التعلم. فاستئناف التعليم يرتبط بإعادة تشغيل النظام كما كان، مع التركيز على استكمال المنهاج والزمن الضائع، بينما تشير استعادة التعلم إلى عملية أعمق تعنى بإعادة بناء شروط التعلم نفسها: الإيقاع، الدافعية، العلاقة مع المدرسة، والقدرة على الفهم والتفاعل. وهو تحول يعيد تعريف التعافي التعليمي بوصفه مشروعاً نظامياً متكاملاً لا إجراءً جزئياً. ويقتضي ذلك العمل على مستويات مترابطة:
1. مستوى المدرسة: إعادة بناء العلاقة مع الطلبة عبر مساحات للتفاعل والتعبير، وتشخيص مرن للفجوات التعليمية، وإدماج تدريجي يعيد تنظيم الإيقاع التعلمي بدل فرضه دفعة واحدة.
2. المستوى النفسي والاجتماعي: إدماج الدعم ضمن الممارسة اليومية للمدرسة، عبر تعزيز الشعور بالأمان النفسي، وإعادة تشكيل بيئة التعلم بما تتيحه من علاقات صفية داعمة ومساحات للتعبير، والتعامل الحساس مع تجارب الانقطاع، بما يعيد بناء الدافعية للتعلم وارتباط الطلبة بالمدرسة.
3. مستوى المعلم: توفير استقرار مهني حقيقي، إلى جانب تطوير قدرات مهنية للتعامل مع الفروقات التعليمية المتراكمة، بما يتيح له قيادة عملية التعافي داخل الصف.
4. المستوى السياساتي: تبرز الحاجة إلى خطة وطنية تعالج تآكل الزمن التعليمي، عبر إعادة تنظيم العام الدراسي، وزيادة أيام الدوام، وتبني نماذج تعلم مرنة تضمن الاستمرارية.
وفي هذا السياق، يُعاد تعريف التعليم عن بعد بوصفه مكوّناً ضمن التعليم المدمج، أداةً تربويةً مساندة للتعليم الوجاهي وليست بديلاً عنه، تُوظَّف لتوسيع فرص التعلم وضمان استمراريته في مختلف الظروف، ضمن تصميم سياساتي يحقق التكامل بين الحضور المدرسي والتعلم الرقمي، ويحفظ عدالة الوصول وجودة التعلم.
في هذا الإطار، يصبح معيار النجاح مرتبطاً بمدى استعادة التعلم ذاته: دافعيته، واستقراره، وقدرة الطلبة على الفهم والتفاعل وإعادة بناء علاقتهم بالمعرفة.
ختاماً، تشكل هذه المرحلة فرصة لإعادة بناء المعنى العميق للتعليم، على أسس من الثقة والاستمرارية والعدالة. فالتحدي يتصل بقدرة المدرسة على استعادة دورها كفضاء إنساني وتربوي جامع، يجد فيه الطلبة أنفسهم، ويعيدون فيه بناء علاقتهم مع التعلم.
وفي هذا الأفق، تتجاوز العودة إلى المدرسة فكرة استئناف الدوام، لتصبح استعادة لإيقاع الحياة التعليمية والعلاقة التي تمنح التعلم معناه وقيمته. فالمدرسة، في جوهرها، فضاء يستعيد فيه الطالب إحساسه بالانتماء، ويجد فيه مساراً للتعلم، ويشعر فيه أن عودته تحمل معنى يتجاوز الحضور إلى بناء الذات.




