في قلب الشارع العربي والفلسطيني، تبدو السياسة كأنها مرآة للهوية والجغرافيا والصراع المستمر، أكثر من كونها مجالًا للتحليل العقلاني والنقد المنطقي. ليست السياسة مجرد برامج أو مشاريع أو قوانين، بل تمثل بالنسبة للكثيرين معيار الولاء والانتماء، وأحيانًا معيار الأخلاق والضمير. من هنا، يتضح أن العاطفة غالبًا ما تتقدم على العقل، وأن التحليل النقدي العقلاني يظل في الظل، يكاد يكون هامشيًا أمام موجة الانفعالات الشعبية. الظاهرة ليست سطحية، بل متجذرة في سياق طويل من الصراعات المستمرة، خصوصًا في فلسطين ولبنان، حيث تتداخل السياسة مع الهوية والدين والتاريخ بطريقة تجعل كل موقف سياسي مشحونًا بالعاطفة. فحين تُعرض قضية فلسطين على الإعلام، ليس المشاهد مجرد متلقي للمعلومة، بل يشارك تجربة عاطفية تراكمت على مدى عقود: ألم فقدان الأرض، مشهد الدمار، صرخات الأطفال، الصور التي تتحدث عن الانتهاك والظلم. هذا التفاعل العاطفي، الطبيعي إنسانيًا، يتحول في الشارع إلى معيار للحكم على السياسة والقيادات، ويتفوق على التحليل العقلاني الذي يتطلب وقوفًا موضوعيًا بعيدًا عن الانفعال اللحظي.
في السياق الفلسطيني تحديدًا، هناك عناصر تزيد من هيمنة العاطفة على النقاش السياسي. أولها طول أمد الصراع وعمق الانتهاكات المستمرة، مما يخلق حالة مستمرة من الغضب والضغط النفسي الجماعي. ثانيها، غياب الثقة في المؤسسات الرسمية والتحليل المؤسسي، ما يجعل الناس أكثر اعتمادًا على الرواية العاطفية المباشرة، سواء كانت من وسائل الإعلام، أو شبكات التواصل الاجتماعي، أو حتى الخطاب الشعبي اليومي. ثالثًا، الخلط بين الأخلاق والسياسة، حيث يصبح موقف الشخص من قضية معينة معيارًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا. أي نقد معقد للخطط أو السياسات يُفهم أحيانًا على أنه خيانة أو ضعف في الولاء للقضية. وسائل الإعلام الحديثة، وعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعي، تلعب دورًا مضاعفًا. المحتوى العاطفي ينتشر أسرع، يخلق موجة من التأييد أو الغضب، ويجعل الخطاب العقلاني يبدو بطيئًا وغير جذاب. الصور والفيديوهات العاطفية، والخطب المؤثرة، وحتى الميمات الساخرة، تصبح وسائل أقوى في تشكيل الرأي العام من المقالات الطويلة والتحليلات الموضوعية.
لكن هل يعني هذا أن المجتمع العربي أو الفلسطيني عاجز عن التحليل العقلاني؟ بالتأكيد لا. فهناك دوائر ومجالات تظهر فيها العقلانية والتحليل النقدي بشكل واضح: المؤسسات الأكاديمية، المناقشات المغلقة، بعض الصحف والمجلات المتخصصة، والمنتديات الفكرية. المشكلة ليست في غياب القدرة على التفكير النقدي، بل في البيئة التي تجعل الخطاب العاطفي هو الصوت الأعلى والأكثر تأثيرًا في المجال السياسي. وفي ظل سيادة العاطفة، لا يقتصر الأمر على تفوق الانفعال على التحليل، بل يصل إلى حد تجريم العقل. أي محاولة لفهم الواقع بعقلانية أو تقديم نقد هادئ يُفهم أحيانًا على أنه خيانة، أو خنوع، أو ضعف في الولاء للقضية. هنا، يصبح العقل السياسي مكبوتًا ومختبئًا، يراقب من بعيد، ينتظر لحظة مناسبة، خوفًا من الصدام مع الجوقة الشعبية أو الخطاب العام المشحون بالانفعال. في مثل هذه البيئة، يتحول النقاش السياسي إلى عرض مسرحي للعاطفة، بينما التحليل العقلاني يتحول إلى ترف أو رفاهية لا يقدرها الشارع، وربما يُدان من قبل نفسه أيضًا. العقل يصبح في حالة تسرب مستمر: يتحدث في دوائر صغيرة، في أحاديث مغلقة، أو على منصات قليلة، بينما الخطاب العاطفي يهيمن على الميادين العامة، وعلى كل وسيلة إعلامية أو اجتماعية.
النتيجة، للأسف، ليست محايدة. غلبة العاطفة على العقلانية في السياسة تجعل القرارات الشعبية عرضة للتأثر بالمشاعر المؤقتة، ويجعل من الصعب بناء توافق على سياسات طويلة الأمد. يصبح النقاش السياسي مسرحًا لتراكم الانفعالات والهتافات، أكثر من كونه مساحة لتحليل الخيارات، مقارنة النتائج، أو صياغة حلول قابلة للتنفيذ. وفي ظل استمرار الصراع، تصبح هذه الدورة مستمرة: الصراع يغذي العاطفة، والعاطفة تؤثر في السياسة، والسياسة بدورها تعيد إنتاج الصراع.
إن النقد الحقيقي لا يعني التقليل من شأن هذه العاطفة. فهي تعكس حساسية المجتمع تجاه القضايا الأساسية، وإيمانه بالعدالة والحقوق. لكنها في نفس الوقت تشير إلى حاجة ملحة لتقوية الثقافة السياسية النقدية، وخلق فضاءات للنقاش الهادئ، وتعليم أدوات التحليل الموضوعي. ففي غياب هذه الثقافة، تظل العاطفة العامل المهيمن في رسم ملامح السياسة، والشارع، والقرار الشعبي، وتصبح السياسة حقلًا لتراكم الانفعالات، وليس ميدانًا للتحليل العقلاني المنطقي.
وفي النهاية، يظل الشارع العربي والفلسطيني محكومًا بعاطفته، لكنها عاطفة ذات وزن مزدوج: من جهة تحرك المجتمع، وتجعل القضايا الحقيقية محسوسة، ومن جهة أخرى تُقيد العقل النقدي، وتحوّل النقاش السياسي إلى ساحة للصراخ والتراشق بدلًا من التحليل والتخطيط. هذا التوازن الهش بين العاطفة والعقل ليس مجرد ظاهرة، بل تحدٍ وجودي للسياسة نفسها. إذا استمرت الدورات المتكررة من الانفعال، والتعبئة العاطفية، والنبذ المباشر لأي صوت نقدي، فإن المجتمع يواجه خطر تجذر سياسة اللحظة العاطفية على حساب القرار العقلاني طويل المدى. أما إذا نجح بعض المفكرين والقادة والإعلاميين في خلق فضاءات للنقاش المفتوح، وتقديم التحليل العقلاني بطريقة تفهمها الجماهير، فقد تتغير المعادلة تدريجيًا، ويصبح العقل السياسي قادرًا على الخروج من مخبئه، والمشاركة في تشكيل القرارات، دون أن يُدان أو يُتهم بالخيانة. وهكذا، يبقى السؤال الأكبر مفتوحًا: هل ستظل السياسة في هذا الجزء من العالم مرآة للعاطفة فقط، أم أن العقل سيجد طريقه إلى النقاش العام، ليوازن بين شعور الغضب المشروع والقدرة على التخطيط العقلاني؟ المستقبل السياسي العربي والفلسطيني يعتمد على الإجابة، وعلى قدرة المجتمع على تحويل العاطفة من قوة مهيمنة إلى شريك في عملية التفكير السياسي، لا سيما في زمن تتداخل فيه الحرب، والتاريخ، والهوية، والحقوق، في نسيج واحد لا يقبل الاسترخاء.




