الجازلايتينغ في الحرب على إيران: بين صناعة الرواية وتزييف الإدراك

رائد الدبعي
27 مارس 2026

الكاتب: رائد محمد الدبعي
يعلم الطغاة أن القوة المفرطة لا تكفي وحدها لفرض سيطرتهم، من أجل ذلك يسعون لفرض سردياتهم المبتورة، أو المزورة، ولَيِّ عنق الحقائق عبر اختلاق تفاسير سلطوية للأحداث، ومحاولة إقناع الجماهير بها، وهو الأمر الذي انتهجه مجموعة من القيادات الشعبوية المتسلطة في مختلف العصور والأماكن؛ إذ نقش رمسيس الثاني على جدران المعابد سردية نصر تاريخي على الحيثيين في معركة قادش ، بينما تشير روايات المؤرخين لما يخالف تلك الرواية، وفي عام 213 قبل الميلاد، قام “تشين شي هوانغ” بحرق الكتب، لقطع صلة الناس بالماضي، وفرض أيديولوجيا موحّدة تمنع الاعتراض، وتحدد ما يجوز للناس معرفته أصلًا. أما موسوليني، فقد نجح في تكريس صورة الزعيم، عبر إخضاع الصحافة لرقابة مشددة، واستخدام الفضاء العام لتقديمه بوصفه المنقذ والعبقري القادر على إعادة بعث الأمة، كما نجح في إعادة تشكيل إدراك الإيطاليين للواقع عبر تقديم الهزائم كصمود، والتوسع كقدر تاريخي، والطاعة كفضيلة وطنية، وهي ذات السياسة التي انتهجها هتلر، عبر فرض سردية تقوم على إنكار الواقع، وقلب الحقائق، وتحويل الأكاذيب إلى “حقائق” رسمية عبر الدعاية المنظمة، بحيث دفع المجتمع الألماني إلى الشك في ما يراه فعلًا، وإلى تصديق رواية السلطة بدل الوقائع، وأعاد تشكيل الإدراك العام، ونجح في جعل الضحية تبدو تهديدًا، والاضطهاد يبدو دفاعًا عن النفس، والعنف يبدو ضرورة وطنية؛ وهو الأمر الذي كلف البشرية ما يزيد على خمسين مليون ضحية.

يطلق على عملية تضليل الجمهور والتلاعب النفسي به عبر إخضاعه لسردية السلطة الحاكمة، ودفعه إلى الارتياب في ما يراه ويعيشه، وإلى تبنّي تفسير بديل للواقع تصوغه السلطة وتفرضه عبر الإعلام والخطاب السياسي، “الجازلايتينغ” (Gaslighting)، إذ يقوم على خلق سردية مضللة، تجعل الناس يشكون فيما رأوه أو عرفوه أصلًا، أو يقبلون تفسيرًا سلطويًا يناقض تجربتهم المباشرة، إلى درجة يصبح فيه الجمهور منساقًا تلقائيًا لما تريده السلطة الحاكمة، سرديتها، رؤيتها، تحليلها، دون اعتبار للتجربة الفردية والمشاهدة التجريبية والحقائق الماثلة.

 

“الجازلايتينغ هو دفع الناس إلى الشك فيما رأوه وعاشوه، وتبنّي تفسير سلطوي يناقض تجربتهم المباشرة”

ويعود المصطلح إلى مسرحية بريطانية بعنوان “Gas Light” صدرت عام 1938، ثم تحوّلت إلى فيلم بريطاني عام 1940، وبعده إلى الفيلم الأميركي الأشهر Gaslight عام 1944. في هذه القصة يحاول الزوج أن يدفع زوجته إلى الاعتقاد بأنها تفقد عقلها، ومن بين الوسائل التي يستخدمها أنه يجعل أضواء الغاز في المنزل تخفت، ثم ينكر أن شيئًا قد تغيّر، بحيث تبدأ هي بالشك في حواسها وإدراكها للواقع. ومن هنا جاء الاسم نفسه، قبل أن ينتقل من المجال الأدبي/السينمائي إلى اللغة النفسية والاجتماعية لوصف نمط من التلاعب يقوم على إنكار الوقائع، وتشويش الإدراك، ودفع الضحية إلى الارتياب في ذاكرتها أو فهمها لما حدث.

كما فعل هتلر، وموسيليني، وتشاوتشسكو، وفرانكو، يتبنى ترامب ونتنياهو “الجازلايتنج” كاستراتيجية لتوجيه الرأي العام وتضليله خلال الحرب الأخيرة على إيران، وهو الأمر الذي يظهر عبر مجموعة من التصريحات والسياسات والسرديات المضللة، لعل أبرزها ادعاء ترامب أن إيران كانت بصدد توجيه ضربة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل خلال ساعات أو أيام لتبرير العدوان، وهو الأمر الذي نفاه مجتمع الاستخبارات الأمريكي، أو عبر إغراق وسائل الإعلام الاجتماعي، لا سيما اليمينية منها، بمجموعة من الادعاءات بحسم الحرب، عبر تصريحات شبه يومية من قبيل: “لقد انتصرنا على إيران”، “ونحن بنزهة”، “ومضيق هرمز مفتوح”، بينما حقائق الميدان تشير إلى عكس ذلك تمامًا، أو ما تابعناه خلال الأيام الماضية من تصريحات ترامب، والهادفة للإيحاء بتقدم دبلوماسي وفقًا للشروط الأمريكية، والادعاء أن هناك انقسامات داخل القيادة الإيرانية، على الرغم من مخالفة ذلك لوقائع الميدان، فمن يفاوض – رئيس البرلمان – هو جزء أصيل من تيار المحافظين، وبنية النظام الصلبة، وذو خلفية أمنية وعسكرية تبدأ من الحرس الثوري وتمتد لسلاح الجو والاستخبارات الإيرانية، فيما تضع إيران شروطها التفاوضية خلافًا لادعاءات ترامب الذي يحاول رسم سردية بأنها مستعدة لتوقيع إقرار بالهزيمة، أو عبر محاولة نتنياهو إظهار العدوان كجزء من حالة الدفاع عن النفس أمام المجتمع الإسرائيلي، والدفاع عن دول المنطقة، والدفاع عن القيم الليبرالية والديمقراطية لتبريرها عالميًا، على الرغم من الأغلبية الأمريكية والعالمية التي ترفض الحرب ومبرراتها، أو عبر تسويق مزاعم حاسمة لا يساندها التقييم الدولي بالكامل، مثل أن إيران فقدت قدرتها على تخصيب اليورانيوم، بينما تشير تصريحات المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، إن إيران ما زالت تحتفظ بقدرات نووية، وهذا النوع من التباين بين الادعاء السياسي الحاسم والتقييم الفني الدولي هو من أكثر ما يُستشهد به عند الحديث عن الجازلايتنج: أي دفع الجمهور لتصديق أن المشكلة حُلّت بالكامل، بينما الواقع أكثر تعقيدًا.

“من أكثر صور الجازلايتينغ خطورة أن يُقال للجمهور إن المشكلة حُلّت بالكامل، بينما الواقع أكثر تعقيدًا بكثير”

تستخدم أمريكا وإسرائيل مجموعة من الأدوات لفرض سرديتهما، وتهميش أي رواية مناوئة، من بينها تقييد صور الأقمار الصناعية بالشرق الأوسط، وتأخيرها خلال الحرب على إيران، لحجب حقيقة ما يجري فعليًا بالميدان، أو عبر ممارسة ضغطًا سياسيًا وتنظيميًا على القنوات والإذاعات ووسائل الإعلام الأمريكية كي تغطي الحرب على إيران باللغة والرواية التي تفضّلها إدارة ترامب، إذ حذر رئيس لجنة الاتصالات الفدرالية الأميركية (FCC) بريندان كار الجهات المرخّص لها بالبث، والتأكيد بأن عليها الالتزام بـ“المصلحة العامة” وبتغطية “حقيقية”، وإلا قد تواجه تدقيقًا تنظيميًا أو تهديدًا يتعلق بالتراخيص، وهو الأمر الذي يشكل رسالة ترهيب تدفع المؤسسات الإعلامية إلى تعديل اللغة والإطار المستخدمين في التغطية، وكذلك فرض إسرائيل حظرًا إعلاميًا على خسائرها تحت دواعي أمنية.

لقد كلفت “جازلايتنج” هتلر وموسيليني العالم ما يزيد على خمسين مليون ضحية، فهل نحتاج إلى 50 مليون ضحية أخرى لنكتشف أننا أمام مهووسين جديدين، وأننا كنا جميعًا ضحية لـ”الجازلايتينغ” (Gaslighting)؟

“حين تُفرض الرواية الرسمية بالقوة والدعاية، يصبح إنكار الواقع نفسه أداة حكم”