عيد تحت الحرب

عيد تحت الحرب
بهاء رحال
23 مارس 2026

انتهى رمضان شهر الخير والبركة، وشهر الرحمة والمغفرة، وشهر العتق من النار، ولم تنتهِ الحرب التي تعصف بمنطقتنا، ولم تتوقف آلة القتل والقصف والدمار، وقد اتسعت رقعتها وامتدت فصولها، ولا تزال تدور بين جولات القصف الصاروخي وجولات الاغتيال التي تكشف مدى الاختراق الذي وصل حد الاحتراق في غزة ولبنان وإيران. ومثل كل عام، مع نهاية الشهر الفضيل، نعلّق أمنياتنا على أبواب العيد، أملًا بالعيد السعيد الذي يأتي وقد عمّ السلام وهدأ البال وتحققت الأمنيات، بيد أن الأمنيات تبقى بعيدة المنال ومجرد وهم في سعير الحرب الفتاكة المستمرة بكل أدواتها.

إنه زمن المولعين بالحروب وإشعال فتيل نيرانها على كل الجهات والجبهات، شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، وهو زمن تصفية الحسابات الإقليمية والدولية، ومحاولة حسم الملفات وفرض رؤية جديدة تحت قوة لهيب النار الهادرة، والضغط العسكري بوسائل قتالية متطورة ومعززة بالذكاء الاصطناعي.

من جهة، يزعم ترامب، الرئيس الأمريكي، بأن الحرب في نهاياتها وأنها حققت أهدافها، ومن جهة ثانية فإن نتنياهو، شريكه في الحرب، يرى بأنها لم تحقق أهدافها بعد، ويلزمها وقت أطول كي تتحقق الأهداف غير منقوصة ولا مبتورة. هذا ما يريده نتنياهو، أن لا تضع الحرب أوزارها، فكلما هدأت في جهة فتح نارها في جهة أخرى، فمواصلة الحرب، كما بات واضحًا، هدف له ولحكومته التي ترى في مواصلة الحروب أداة سيطرة ونفوذ وتوسع لخلق واقع شرق أوسطي جديد متناغم مع أطماعهم.

ومع نهاية الشهر الفضيل وحلول العيد غير السعيد، لأن غزة، وبرغم ما أُعلن عنه خلال الأشهر الأخيرة من ترتيبات سياسية، إلا أنها تعيش وسط الخراب، والأوضاع على حالها، بين حصار وفقد وشح في الطعام والشراب، والناس لا يزالون في الخيام، فأي عيد هذا الذي يأتي على الناس وهم في العراء، يعيشون المأساة ويواصلون محاولاتهم في البقاء على قيد الحياة؟ وليس الأمر بأفضل حال في مدن الضفة الفلسطينية والقدس، التي تحاصرها الحواجز العسكرية والجنود المدججون بالعتاد والسلاح، والبوابات الحديدية ومتاريس الحجارة والأتربة التي تفصل القرى عن المدن، وتمنع أي تواصل جغرافي، وفق سياسة الخنق والحصار. وفي ظل ما يحدث، فقد بات المسجد الأقصى، قبلة المسلمين الأولى، مغلقًا في وجه المصلين لأكثر من عشرين يومًا، فلم يصلِّ المسلمون التراويح هذا العام في المسجد الأقصى، ولم يقيموا إحياء ليلة القدر، وأُغلقت أبوابه تحت ذريعة الحرب المستعرة. أما المقدسيون فهم يعيشون ظروفًا قاسية في ظل استمرار عزلهم عن محيطهم الفلسطيني العربي، ولا حول لهم إلا الصبر على حالهم الصعب، فقد خلت البلدة القديمة من زوارها في هذا الشهر الفضيل، وأُغلقت المحال التجارية، وقُيّدت حركة الناس، مما زاد الأعباء على التجار في البلدة القديمة الذين يعانون من خنق اقتصادي مستمر ومتواصل، الهدف منه تهويد المدينة بالكامل، والسيطرة على كل زاوية وكل طريق وكل مصطبة.

عيد تحت الحرب، والقصف متواصل والحصار مستمر، بينما اعتداءات المستوطنين لا تتوقف، بل تتصاعد كل يوم وقد توحشوا تحت حماية جنود الاحتلال، وزادوا عربدة وبطشًا، وهذا هو واقع الناس الذي يزداد بؤسًا، في ظل سياسة تضييق مستمر لسبل العيش، ومحاولات البقاء على هذه الأرض.

 

  • صحيفة القدس
  • ي.ك