يشهد سعر صرف الدولار الأميركي في مواجهة العملات الرئيسية الأخرى موجة صعود غير مسبوقة، إذ ارتفع سعره نحو 11% منذ بداية العام، ووصل للمرة الأولى في عقدين من الزمن، إلى مستوى التعادل مع اليورو، وفاقَهُ سعراً في النصف الثاني من آب 2022.
في الواقع، انخفضت أسعار عدد هائل من العملات مقابل الدولار، مخلّفةً آثاراً وتداعيات كبيرة على بلدان العالم النامية والمتقدمة على حد سواء، على المستويات الاقتصادية والمالية والحياتية العامة.
أسبابٌ عدة تقف خلف هذا الارتفاع، أهمها قوة الطلب على الدولار، الناجمة عن مخاطر جیوسياسية في مناطق معينة، وارتفاع أسعار الفائدة في محاولة لمحاربة التضخم الذي بلغ مستويات تاريخية في الولايات المتحدة الأميركية.
تدفع هذه الأسباب، ضمن جملة عوامل أخرى، إلى الجنوح نحو الاستثمارات الآمنة، حيث يتخارج المستثمرون من مراكزهم الاستثمارية في أوروبا والأسواق النامية وأماكن عدة، للبحث عن ملاذ آمن في أدوات استثمارية مقوّمة بالدولار الأميركي، ما يتطلب إقبالاً على العملة الأميركية، وهذه ظاهرة ليست جديدة، فقد تسببّت الحرب الروسية – الأوكرانية في ارتفاع أولي لقيمة الدولار الأميركي مقابل عملات بلدان الأسواق الصاعدة، كان أكبر من الزيادات في سعر الدولار الناجمة عن الاضطرابات التي صاحبت إعلان خطط التراجع عن التوسع النقدي في الولايات المتحدة العام 2013، والأحداث السابقة المرتبطة بالصراع في بلدان محدّدة للنفط: مع الإشارة في هذا المجال إلى أن الأسواق لا تزال تتوقع زيادات سريعة لأسعار الفائدة يتخذها مجلس الاحتياط الفيدرالي في أيلول الجاري. وفي أوضاع مماثلة، شهدت زيادات سريعة لأسعار الفائدة فيما مضى، واجهت بلدان الأسواق النامية أزمات متعددة، كما شهدنا في ثمانينيات القرن الماضي في أميركا اللاتينية في أزمة “العقد المفقود”، وفي التسعينيات في أزمة “تاكيلا” المالية في المكسيك والتي امتدت إلى روسيا ودول جنوب شرق آسيا.
كيف يؤثر ارتفاع سعر صرف الدولار على اقتصادات العالم؟
• نتوقع مزيداً من الإجهاد في مجال الديون السيادية الذي يمر بالفعل في وضع متأزم، حيث إن بلداناً كثيرة، لا سيما أشد البلدان فقراً، عاجزة عن الاقتراض بعملتها، ولأن المقرضين عازفون عن تحمّل الخطر الذي ينطوي عليه سداد قروضهم بالعملات المتقلبة لهؤلاء المقترضين. وبدلاً من ذلك، تلجأ هذه البلدان، في العادة إلى الاقتراض بالدولار، متعهدةً سداد ديونها بنفس عملة الاقتراض، بصرف النظر عن سعر الصرف. وهكذا مع ارتفاع قيمة الدولار بالنسبة للعملات الأخرى، تزداد كثيراً تكلفة دفع أقساط الديون بالعملة المحلية.
المديونية العامة لاقتصادات الأسواق الناشئة والنامية، والتي تمثل معاً نحو 40 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، كانت تقف بالفعل على أسسٍ واهية خلال الفترة الماضية، وقد أدت أزمة “كورونا” إلى زيادة إجمالي المديونية، بحيث ارتفعت على مدار السنوات العشر الماضية، إلى أعلى مستوى لها منذ 50 عاماً، إذ بلغت ما يعادل أكثر من 250% من إيرادات الحكومات. وكان نحو 60% من بلدان العالم الأشدّ فقراً إما أنها في حالة مديونية حرجة بالفعل، أو معرضة لمخاطر عالية تهدد ببلوغها. ووصلت أعباء خدمة الديون في البلدان متوسطة الدخل إلى أعلى مستوى لها في 30 عاماً، وشهدت أسعار النفط ارتفاعاً مطرداً، وارتفعت أسعار الفائدة في مختلف أنحاء العالم.
وفي ظروف كتلك، تبين لنا التجارب التاريخية أن حدوث مفاجأة أخرى هو كل ما يلزم لإشعال الأزمة. لقد ألقت الحرب الأوكرانية على الفور بظلال قاتمة على الآفاق المستقبلية للعديد من البلدان النامية التي تعتبر مستورداً رئيسياً للسلع الأولية، أو تعتمد اعتماداً كبيراً على السياحة أو التحويلات. ففي مختلف أنحاء أفريقيا، على سبيل المثال، أخذت تكاليف الاقتراض الخارجي في الارتفاع: ارتفعت فروق العائد على السندات بواقع 20 نقطة أساس في المتوسط. وفجأة أصبحت حسابات البلدان المتعلقة بارتفاع الديون ومحدودية الاحتياطيات والمدفوعات التي سيحل استحقاقها قريباً مختلفةً تماماً، حيث فضلت سريلانكا، على سبيل المثال، الشهر الماضي، النظر بإمكانية الدخول في برنامج يسانده صندوق النقد الدولي في مواجهة أعباء خدمة الديون الثقيلة.
وعلى مدى الاثني عشر شهراً القادمة، يمكن أن يعجز ما يصل إلى اثني عشر اقتصاداً نامياً عن خدمة ديونها. وهذا عدد كبير، لكنه لن يشكل أزمة ديون عالمية شاملة، فهو لن يشبه على سبيل المثال أزمة ديون أميركا اللاتينية في الثمانينيات من القرن الماضي. ولن يشبه كذلك حالات الديون غير المستدامة التي زادت على 30 حالة ودفعت إلى إنشاء المبادرة المتعلقة بالبلدان الفقيرة المثقلة بالديون (هيبيك) في منتصف التسعينيات. لكنه يظل كبيراً، وهو أكبر موجة من أزمات الديون في الاقتصادات النامية خلال عقد واحد.
وإذا وقعت هذه الأزمات، فإنها ستُحدث تحولاً في المشهد العالمي. فقبل ثلاثين عاماً، كانت الاقتصادات النامية مدينة بمعظم ديونها الخارجية لحكومات أخرى، أي دائنين ثنائيين رسميين، وجميعها تقريباً أعضاء في نادي باريس. ولكنَّ الأمر ليس كذلك اليوم: ففي نهاية العام 2020، بلغت ديون الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل المستحقة لدائنين تجاريين خمسة أمثال ما كانت عليه للدائنين الثنائيين. وفي هذا العام، لن يذهب سوى 5 مليارات دولار إلى الدائنين في نادي باريس من بين نحو 53 مليار دولار سيتعين على البلدان منخفضة الدخل سدادها من مدفوعات خدمة ديونها العامة والمضمونة من قبل الحكومات. أضف إلى ذلك أن معظم ديون الاقتصادات النامية تنطوي الآن على أسعار فائدة متغيرة، ما يعني أنها قد ترتفع فجأة كما هو الحال بالنسبة لأسعار الفائدة على ديون بطاقات الائتمان.
• حينما يرفع مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي أسعار الفائدة، تضطر البنوك المركزية للبلدان الأخرى إلى رفع أسعار فائدتها للحفاظ على قدراتها التنافسية والدفاع عن عملتها. بعبارة أخرى، يجب إعطاء المستثمرين سبباً (ارتفاع العوائد) حتى يستثمروا في بلدٍ من بلدان الأسواق الصاعدة بدلاً من استثمار أموالهم في أصول أميركية أقل خطورة.
وينطوي هذا على معضلة. فمن ناحية، يريد البنك المركزي لأي بلد طبعاً حماية الاستثمار الأجنبي في الاقتصاد المحلي. ولكن من ناحية أخرى، زيادات أسعار الفائدة ترفع تكلفة الاقتراض المحلي، ويكون لها تأثير مُثبِّط للنمو أيضاً.
أوردت صحيفة “فاينانشال تايمز” نقلاً عن بيانات لمعهد التمويل الدولي في الآونة الأخيرة، أن “المستثمرين الأجانب سحبوا أموالاً من الأسواق الصاعدة لمدة خمسة أشهر متتالية في أطول موجة سحب للاستثمارات على الإطلاق.” وهذه استثمارات حيوية تتخارج من الأسواق الصاعدة بحثاً عن ملاذ آمن.
وأخيراً، سيضر تباطؤ نمو الاقتصاد المحلي بمرور الوقت بالإيرادات الحكومية، وقد يؤدي إلى تفاقم مشكلات الديون المذكورة آنفاً.
• في الأمد القصير، قد يؤثِّر صعود الدولار أيضاً على التجارة. فالدولار الأميركي يُهيمن على المعاملات الدولية. وتستخدمه الشركات العاملة في اقتصادات لا تتعامل بالدولار في التسعير وتسوية معاملاتها. ولننظر على سبيل المثال إلى سلع أولية أساسية مثل النفط تباع وتشترى بالدولار.
علاوةً على ذلك، هناك اقتصادات نامية كثيرة تتأثر بالأسعار ولا تؤثر فيها (سياساتها وإجراءاتها لا تؤثِّر على الأسواق العالمية)، وتعتمد اعتماداً كبيراً على التجارة العالمية، ومن ثمَّ قد تكون لصعود الدولار آثار كبيرة عليها، محلياً، ومن ذلك زيادة معدلات التضخم.
ومع ارتفاع الدولار تزداد تكلفة الواردات (بالعملة المحلية)، وهكذا تضطر الشركات إلى تقليص استثماراتها أو زيادة الإنفاق على الواردات الحيوية.
وبالنسبة لبعض البلدان تبعث صورة التجارة على الأمد الطويل على قدر أكبر من التفاؤل، لكنها بوجه عام صورة ذات ملامح متباينة. صحيح أن الواردات تصبح أكثر تكلفة عند صعود الدولار، لكن الصادرات تكون أرخص نسبياً بالنسبة للمشترين الأجانب. وقد يُمكِن للاقتصادات القائمة على التصدير الاستفادة، حيث تؤدي زيادة الصادرات إلى تعزيز نمو إجمالي الناتج المحلي واحتياطيات النقد الأجنبي، الأمر الذي يساعد على تخفيف كثير من المشاكل السابق ذكرها.
لسوء الحظ، ليس أمام البلدان خيارات تذكر لمعالجة هذه المشكلات في الأمد القصير. وهي مشكلات أفضل سبيل لمعالجتها التصرف بشكل استباقي وليس كرد فعل. وللحيلولة دون وقوع الأزمة التالية، يجب على البلدان الآن أن تعزز أوضاع ماليتها العامة، وأن تعتمد على الاقتراض المستدام. وحتى في الأوقات العصيبة، يمكن لواضعي السياسات إيجاد فرص للتشجيع على الاستثمار وتحفيز النمو الاقتصادي، وفي الوقت ذاته تخفيف الضغوط على المالية العامة. ويجب على المجتمع الدولي من جانبه أن يبذل مزيداً من الجهد للتعجيل بإعادة هيكلة الديون. فالقيام بهذا العمل سيقطع شوطاً طويلاً في الطريق إلى إعادة البلدان إلى مسار أكثر استدامة للمالية العامة.
- صحيفة الأيام
- ي.ك

