تُعدّ الثقافة السياسية في فلسطين مرآة دقيقة لتعقيدات التجربة الوطنية بكل ما تحمله من صراع طويل، وانقطاعات متكررة، وآمال لم تكتمل. فمنذ نشأة الحركة الوطنية الفلسطينية، تشكل الوعي السياسي الفلسطيني في سياق استثنائي فرضه الاحتلال، حيث أصبحت السياسة فعل مقاومة أكثر من كونها ممارسة مؤسسية، وتحول الانتماء السياسي إلى تعبير عن الهوية والصمود قبل أن يكون أداة لإدارة الشأن العام. هذا السياق، على أهميته التاريخية، ساهم مع مرور الوقت في ترسيخ ثقافة سياسية عاطفية تفتقر في كثير من جوانبها إلى النقد الذاتي والتخطيط الاستراتيجي، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على ضعف الأداء السياسي الفلسطيني في مراحله المختلفة.
لقد أسهم غياب الدولة واستمرار الاحتلال في تكوين علاقة ملتبسة بين المواطن والسلطة السياسية، حيث جرى التعامل مع القيادة بوصفها رمزًا للنضال لا كجهاز خاضع للمساءلة. ومع قيام السلطة الفلسطينية، لم يحدث التحول المنشود في الثقافة السياسية من ثقافة تحررية ثورية إلى ثقافة حكم رشيد، بل استمرت العقلية ذاتها التي تخلط بين الشرعية النضالية والشرعية السياسية. هذا الخلط أضعف المؤسسات، وكرّس شخصنة القرار السياسي، وجعل الولاءات الفصائلية تتقدم على الكفاءة والبرنامج، ما أدى إلى تراجع فعالية الأداء السياسي وعجزه عن الاستجابة لتحديات الواقع المتغير.
وفي ظل الانقسام السياسي، ازدادت هشاشة الثقافة السياسية الفلسطينية، حيث تحول الخلاف السياسي إلى حالة استقطاب حاد، تُقصى فيها الآراء المخالفة ويُنظر إلى النقد بوصفه تهديدًا لا ضرورة إصلاحية. وقد أسهم هذا المناخ في إضعاف المجال العام، وتراجع دور النخب الفكرية، وانكماش المشاركة السياسية الشعبية، إذ فقد المواطن ثقته بجدوى العمل السياسي المنظم، واكتفى إما بالانسحاب من المشهد أو بالتعبير الغاضب غير المؤطر سياسيًا. هذا التراجع في المشاركة الواعية حرم النظام السياسي من أحد أهم مصادر قوته، وهو الرقابة الشعبية القادرة على تصحيح المسار.
ويُضاف إلى ذلك أن دور الصحافة الفلسطينية، إلى جانب دور الحركة الأدبية والمثقفين والأكاديميين المتخصصين، لم يكن بالقدر الكافي الذي يليق بثقل المرحلة وخطورة التحديات، رغم أن هذا الدور يُعدّ أساسيًا في بناء ثقافة سياسية واعية وحكيمة لدى المجتمع. ففي الحالة الفلسطينية، يبدو المشهد السياسي مشبعًا بالخطاب إلى حدّ التضخم، إذ يكاد لا يخلو فرد من موقف سياسي أو رأي حاد، غير أن هذا الاتساع في الاهتمام لا يعني بالضرورة عمقًا في الفهم أو نضجًا في الوعي. فالجميع مسيّس، لكن السؤال الجوهري يبقى: هل هذا التسييس قائم على معرفة حقيقية وتحليل نقدي، أم أنه نتاج تراكم شعاراتي وانفعالي تكرسه وسائل الإعلام والخطابات العامة؟
لقد أسهمت الصحافة المحلية، ومعها وسائل الإعلام الإقليمية، في تشكيل وعي سياسي مشوش لدى الشارع الفلسطيني، حيث يغلب نقل الحدث وتضخيم الموقف على حساب التحليل والتفسير، وتُقدَّم الروايات السياسية غالبًا دون تمحيص أو مساءلة حقيقية. ومع غياب دور فاعل للصحافة الاستقصائية، وضعف المساحات المخصصة للفكر النقدي الرصين، أصبح نبض الشارع عرضة للتقلب السريع، محكومًا بالعاطفة أكثر من الفهم، وبردة الفعل أكثر من الرؤية. هذا التشوه في الوعي الجمعي انعكس مباشرة على طبيعة المشاركة السياسية، التي باتت في كثير من الأحيان مشاركة انفعالية أو موسمية، تفتقر إلى الاستمرارية والتنظيم والقدرة على التأثير الحقيقي.
أما الحركة الأدبية والمثقفون والأكاديميون، فقد تراجع حضورهم في المجال العام، أو جرى تهميشهم لحساب خطاب سياسي تعبوي سريع الاستهلاك. وباستثناء مبادرات فردية محدودة، لم تنجح النخب الفكرية في لعب دورها الطبيعي كوسيط نقدي بين السلطة والمجتمع، قادر على تفكيك الخطاب السياسي السائد، وطرح بدائل معرفية ترفع من مستوى الوعي العام. هذا الغياب أفسح المجال أمام هيمنة الخطاب الشعبوي، وأضعف قدرة المجتمع على التمييز بين الموقف السياسي المدروس والموقف الانفعالي، ما أدى في النهاية إلى تشويه مفهومي المشاركة السياسية والتمثيل السياسي معًا.
إن أزمة الأداء السياسي الفلسطيني، في هذا السياق، ليست أزمة قيادة أو مؤسسات فحسب، بل هي أيضًا أزمة وعي تُغذّيها ثقافة إعلامية سطحية، وفراغ فكري في المجال العام، وعزوف نسبي للنخب القادرة على إنتاج معرفة سياسية نقدية. ومن دون استعادة الدور التنويري للصحافة، وإعادة تفعيل دور المثقف والأكاديمي في النقاش العام، سيبقى الوعي السياسي هشًا، قابلًا للتوجيه والتضليل، وستظل المشاركة السياسية مشوهة، تعكس الانقسام أكثر مما تعبر عن إرادة شعب واعٍ بمصالحه وخياراته التاريخية.
في المحصلة، تبقى الثقافة السياسية الفلسطينية أحد مفاتيح الفهم الأساسية لأزمة الأداء السياسي الراهنة، فهي ليست مجرد انعكاس للواقع، بل عنصر فاعل في إنتاجه واستمراره. ومن دون مراجعة جذرية لهذه الثقافة، تتجاوز الشعارات وتلامس جوهر الممارسة السياسية، سيظل المشهد الفلسطيني يدور في حلقة مفرغة، تتغير فيها الوجوه وتبقى الأزمات على حالها.

