طلب إعادة بندقية

طلب إعادة بندقية
زياد خدّاش
06 سبتمبر 2022

حتى أواخر السبعينيات كان عمي مصطفى الحوت شقيق جدي المرحوم الذي مات آخر  أيام سنة 1948 جمال الحوت يعيش في مخيم بلاطة، تسعينياً قوي البنية، كنت أذهب إليه في غرفته أسفل بيتنا، وأراه متمدداً كجمل، يغني تراويده الحزينة اليومية غير المفهومة، كانت علاقتي به خاصة جداً، أمسك بيديه، وأحاول كشط دمامله المتصلبة، كان ينهرني حين أؤلمه، لم يكن يحدثني عن أي شيء، لم أكن حينها مهتماً بقصة التهجير الفظيعة، التي كان جدي أحد ضحاياها، في قريته قزازة، قضاء الرملة، كنتُ صغيراً على حدود عقدي الأول، مَرِض جدي مصطفى ذات مساء ماطر، تجمع الأعمام والعمات حوله، كانوا يبكون، بكيت أنا الآخر حين رأيتُ أبي يبكي، فحين يبكي الآباء يتبعهم الأطفال فوراً.

لماذا بكى أبي كالأطفال؟ بعد أن صرخت عمتي حليمة: يا عمي راح نشتاق لك يا غالي.

قبل أن يلفظ جدي مصطفى نفسه الأخير، أشار لأبي وهو أكبر أبناء أخيه بأن يقترب من وجهه، وراح يوشوشه بينما أبي يهز رأسه.

مات جدي صباح اليوم الثاني، كان يوماً صعباً، بكاء الأبناء والعمات في كل مكان، أبي مطرق في الأرض، أنا في غرفة جدي وحيداً أشمّ فراشه مغمضاً عينيّ.

ظل مشهد جدي مصطفى وهو يوشوش أبي في رأسي، كبرتُ، وصرتُ طالباً جامعياً، متخصصاً في دراسات الأديان المقارنة، سألتُ أبي مراراً عن سر الوشوشة، فأخذني في مشوار إلى المدينة، جلسنا على رصيف مقهى، وراح يحدثني عن قصة بندقية الصيد التي أحبها جداً، وكانت مثل صديق، ورقمها هو (15434)، وقد أعارها إلى صديق له صيف العام 1948 قبل وفاته، وقبل النكبة بشهرين، عصفت النكبة بفلسطين وقطعت حياتها قطعا حاداً، وتفرّق كل شيء عن كل شيء.

نشر شقيق جدك مصطفى الحوت إعلاناً في جريدة فلسطين، يطلب فيه ممن كانت عنده البندقية صاحبة الرقم المحدد أن يعيدها إلى صاحبها، لم يتصل أحد، حزن الجد، وواصل حياته في غزة، يحلم ببندقية أخيه التي اصطاد فيها معه عشرات الأرانب والطيور والظباء في ريف فلسطين الساحلي، في فترة منتصف الأربعينيات.

كان يحدثنا عن علاقة المرحوم جمال بالبندقية، وكيف كان «ينيّمها» معه في الفراش، ويضعها قربه وهو يتناول فطوره، وكيف أنه تلقى صفعة من شقيقه العاشق لأنّه سحبها مرة من بين ذراعيه وهو نائم، وذهب إلى قرية عاقر القريبة.

– أين البندقية الآن يا أبي؟.
– هل تقصد أين فلسطين الآن يا بني؟؟!!.

(من مجموعتي القادمة «أنف ليلى مراد»)

 

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك