رصيف مشجّر بجمال مؤلم

رصيف مشجّر بجمال مؤلم
غسان زقطان
05 سبتمبر 2022

خلال العقود الثلاثة الأخيرة، أنجزت أربعة كتب سردية يجمعها خيط واحد أقرب إلى السيرة الغيرية، بدأ الأمر مبكرا مدفوعا بتدفق الروايات الجانبية للرواية الكبيرة، خليط متداخل من الحكايات الصغيرة؛ الحنين والحب والافتقاد والأحلام وترميم المنفى باستحضار عنيد للبلاد، ولفكرة “حين كنّا هناك”، تسييج لمصائر اللاجئين الذين ولدت بينهم بعد عقد من النكبة، هي في النهاية سيرة لاجئين.

“سماء خفيفة” (1992) ستتحول إلى عمل مسرحي العام 2008 قدمته بنجاح الفلسطينية تهاني سليم من إخراج الألمانية سوزان ماري رايج، وسيقدم باللغتين الألمانية والعربية وسيطوف أوروبا والمنطقة العربية في عديد من العروض وسيحصل على أكثر من جائزة.

“وصف الماضي” في طبعتين (1995/2009) رشحت لأكثر من جائزة بطبعتيها الإنجليزية والإيطالية، “عربة قديمة بستائر” (2008) في طريقها للصدور بطبعتها الإنجليزية عن دار سيغل نهاية خريف هذا العام، “حيث اختفى الطائر” (2006) الذي حصل على جائزة الترجمة من ميدل ايست مونيتور في لندن، وهناك كتاب خامس يتعثر منذ سنوات بين شاشة الكمبيوتر والأوراق على مكتبي في “كوبر”.

ليس هذا تنويها بنجاح العناوين التي حظيت بالترجمة، أو سردا لأهميتها، أو دفاعا عنها، بقدر الإشارة لفكرة الاهتمام بالكتابة نفسها، البحث عن الكتابة داخل الكتابة دون الدخول في جدل التصنيف الذي يأتي ثانيا ومحاكمتها على أساسه، المحاكمة التي تتعرض لها الطبعات العربية، وهذا يشمل معظم كتاباتنا التي يضعها النقاد على فرّازة التصنيف قبل الشروع في مقارنتها مع قوالب معدة سلفا.

لم يكن الأمر الذهاب إلى حقل الرواية، ولم أحمّل تلك النصوص عبئا دراميا من خارج حدودها قد يخرجها عن سماحتها التي ولدت بها، كان الأمر أقرب إلى التدوين وتوثيق تلك الحكايات الشفاهية بأقل الخسارات، وحراستها من أن تتبدد، حماية جمالها المؤلم الذي أصبح مصدرا عميقا في كتابتي وفي الشعر الذي أكتبه، سيعتبرها ناشر “رواية” وسيعارضه ناقد معتبرا أنها لم تستوف الشرط الدرامي، وسيأخذها ناقد على محمل الجد باعتبارها إضافة، وسيعلق قارئ باسم يهودي على صفحة أمازون أنها خفيفة وممتلئة بالكراهية، وسيراها آخرون مؤثرة، ولكنها ستبقى أقرب إلى رصيف مشجّر بجمال مؤلم لطريق الشعر الذي اخترته، الشعر الذي يسير كتفا إلى كتف مع مصائر هؤلاء الناس الذين منحوني بكرم مدهش وعميق هبة حكاياتهم.

 

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك