المعلم الفلسطيني بين رسالة الخلود وضيق العيش

المعلم الفلسطيني بين رسالة الخلود وضيق العيش
أمين الحاج
11 نوفمبر 2025
ان تكون معلما في فلسطين لا يشبه ان تكون معلما في أي مكان آخر، هنا، حيث تتحول السبورة الى جبهة، والطبشور الى سلاح، والمقاعد الدراسية الى خنادق للوعي والكرامة، يصبح التعليم فعلا من أفعال المقاومة، ويغدو المعلم واحدا من جنودها الصامتين، الذين يخوضون معاركهم اليومية ضد الجهل والإحباط وضيق العيش في آن واحد. منذ النكبة، كان التعليم الفلسطيني فعلا وجوديا بامتياز، حين فقد الفلسطيني أرضه، تمسك بالكلمة، وحين ضاعت البيوت، لجأوا إلى المدارس، فكانت القاعات الصغيرة بديلا عن الوطن، والمعلم فيها حاملا للهوية وحارسا للذاكرة.

عبر عقود طويلة، أرسل الفلسطينيون معلميهم الى أرجاء الوطن العربي، من الكويت الى السعودية وغيرها، ثم الى ارجاء المعمورة، فكانوا سفراء حقيقيين للعقل العربي، يسهمون في بناء أجيال كاملة من الأطباء والمهندسين والمفكرين في كل مكان، وهكذا صار المعلم الفلسطيني مدرسة متنقلة، تزرع الأمل في الصحاري القاحلة، وتعيد تعريف معنى الرسالة الانسانية للتعليم.

لكن الصورة المجيدة هذه تخفي واقعا موجعا جدا، فالمعلم الفلسطيني اليوم يعيش أزمة اقتصادية خانقة، جعلت حياته اليومية على حافة الإنهاك، الرواتب المتآكلة، وغلاء المعيشة، وتأخر صرف المستحقات، جميعها حولت مهنة التعليم من رسالة مقدسة، الى عبء مرهق، دون ان تفقد مع ذلك جوهرها النبيل، وبينما تتضخم اسعار السلع والايجارات، يقف المعلم عاجزا امام التزامات أسرية لا ترحم، محروما من أبسط مقومات العيش الكريم، فيما لا يزال مطلوبا منه ان يكون قدوة ومنارة في مجتمع يرزح تحت ثقل الأزمات.

البعد الاقتصادي لهذه الأزمة ليس سوى وجه واحد من المشهد، فالمعلم الفلسطيني يعمل في بيئة محاصرة، تحت احتلال يدمر المدارس، ويقصف الفصول، ويمنع الحركة، ويستهدف الوعي قبل الجسد، في غزة والضفة والقدس، تتساقط الجدران من حوله، لكنه يواصل الدرس بين الركام، يكتب بالطبشور على جدار مهدم او لوح من الصفيح، ويحول لحظات الخوف الى دروس في الشجاعة، فليس التعليم هنا وظيفة، بل فعل صمود يومي، يحفظ روح الوطن في اذهان الصغار، ويعيد إنتاج الأمل من بين الرماد.

ووراء هذا المشهد الصلب، تقف أيضا نساء فلسطينيات يحملن الطباشير كما يحملن قلوبهن، معلمات يجمعن بين دفء البيت وصلابة الموقف، بين بكاء أطفالهن في الصباح وابتسامات تلاميذهن في الفصول، يخرجن مثقلات بالهموم، لكنهن يدخلن الصفوف بابتسامة تضيء العيون، كأنهن جئن ليحملن الوطن على أكتافهن، ففي زمن تتناقص فيه الموارد ويتكاثر فيه الألم، تبقى المعلمة الفلسطينية شاهدة على ان الأمومة والتعليم وجهان لحب واحد، فكما تربي ابناءها على الامل، تربي ابناء الوطن على الصمود، تزرع الحلم في العيون الصغيرة، وتغرس فيها يقينا بان الكلمة أقوى من الرصاص، وان الحرف يمكن ان يكون وعدا بالحياة.

ومع ذلك، فان استمرار هذه الحالة دون تدخل حقيقي ينذر بعواقب خطيرة، فإضعاف مكانة المعلم يضعف بالضرورة جودة التعليم، ويهدد بانكسار الرابط بين الاجيال، فدون تحسين دخولهم وظروف عملهم، وتوفير الدعم لهم، وادماجهم في برامج التطوير المهني المستمر، ستفقد المدرسة الفلسطينية احد اعمدتها الاساسية، ولا بد ايضا من اطلاق مبادرات اقليمية لاستثمار كفاءة المعلمين الفلسطينيين محليا ودوليا، ما قد يفتح افقا جديدا لهم، ويعيد الاعتبار للمهنة ويربطها برسالتها الكبرى.

ان تكون معلما في فلسطين يعني ان تؤمن بالحياة رغم الموت، وان تزرع في عيون الصغار يقينا بان الغد ممكن، مهما اشتدت الظلمة، فالمعلم الفلسطيني لا يعلّم فقط، بل يربي، ويهذب، ويقاوم، ويؤمن ان الحرية تبدأ من الوعي، وبين أزمة الراتب ورسالته الابدية، يواصل دوره النبيل بصمت الانبياء، يزن كلمته عشرات المرات قبل ان ينطق بها، مدركا ان كل كلمة قد تشكل قدرا، هكذا كان، وهكذا سيبقى، كاد أن يكون رسولا، لكنه في فلسطين هو كذلك بالفعل.

 

  • صحيفة القدس
  • ي.ك