أما على صعيد الجبهة اللبنانية، فإن النجاح الوحيد الذي تحقق هو إقامة حكومة لبنانية تعمل تحت المظلة الأمريكية، دون أن تكون قادرة على نزع سلاح المقاومة، أو المضي قدماً في خطة المندوب الأمريكي السامي، توماس باراك، التي تتضمن نزع السلاح وفق جداول زمنية محددة. فالحزب – بعد أن نجح في ترميم قوته وإعادة هيكلة أوضاعه التنظيمية، واستعادة توازن الردع الاستراتيجي بعد مرور عام على جريمة “الحزمة الثلاثية” القاتلة، واغتيال أمينيه العامين السيد حسن نصر الله والشيخ هاشم صفي الدين – أكد أمينه العام الحالي، الشيخ نعيم قاسم، في ذكرى استشهادهما، أن الحزب والمقاومة لن يسلموا سلاحهم، حتى لو خاضوا في سبيل ذلك معركة بروح كربلائية.
أما الحرب العدوانية المشتركة على إيران، فقد باءت بالفشل الذريع؛ فلم يسقط النظام فيها، ولم تُدمر منشآتها النووية، ورفضت إيران التوقف عن تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية والمدنية. وفي الجبهة اليمنية، حصدت الولايات المتحدة فشلاً ذريعاً في حربها، التي هدفت إلى حماية العمق الإسرائيلي من صواريخ وطائرات اليمن المسيرة. وفي جبهة قطاع غزة، لم تنجح إسرائيل وآلتها العسكرية في إحداث تحول نوعي أو تحقيق ما تسميه “النصر الساحق”.
والآن، في ظل التحولات العالمية الكبيرة، واحتشاد الملايين في شوارع العديد من دول العالم – ولا سيما في أمريكا اللاتينية وأوروبا – رافضين الرواية الإسرائيلية، ومُعمقين عزلتها الدولية، ومُشددين الخناق عليها، انطلق أسطول “صمود الحرية” بمبادرة من نشطاء من 44 دولة، يضم أكثر من خمسين قارباً وسفينة، انطلاقاً من عدة موانئ أوروبية وعربية، متجهاً نحو قطاع غزة لكسر الحصار عنه وإيصال المساعدات الإنسانية إلى سكانه. وهذا الهدف، وإن كان رمزياً، إلا أن الهدف الأكبر والأهم هو كسر الحصار البحري على القطاع. وهنا تكمن خطورة هذه الجبهة الثامنة على دولة الاحتلال، حيث ستخوض معركة سياسية وإعلامية وعسكرية كبيرة.
فإسرائيل هذه المرة لن تستطيع التعامل مع الأسطول كما فعلت سابقاً، عندما اعتمدت على القتل والإغراق، كما حدث مع السفينة التركية “مرمرة”، التي كانت ضمن أسطول كسر الحصار المكون من عدة سفن، وعلى متنها 750 ناشطاً من 36 دولة، قدموا لفك الحصار عن غزة؛ حيث قامت قوات البحرية الإسرائيلية وطائرات الهليكوبتر في 30 مايو/أيار 2010 بعملية إنزال على متن السفينة، أسفرت عن مقتل 10 أشخاص وإصابة أكثر من 50 آخرين.
كما لن تتمكن من اعتراض السفن واقتيادها إلى موانئها – حيفا أو أشدود – واعتقال من على متنها والتحقيق معهم وترحيلهم، كما حدث مع أسطول “مادلين” الذي ترأسته الناشطة السويدية الشابة غريتا تونبرغ أواخر مايو/أيار الماضي.
فالوضع اليوم مختلف تماماً؛ فدولة الاحتلال تعيش مأزقاً كبيراً، حيث تتعمق عزلتها السياسية، ويتغير الرأي العام الغربي بشكل كبير لصالح الشعب الفلسطيني، وتفرض العديد من الدول عقوبات تجارية واقتصادية وحتى عسكرية على إسرائيل. كما يتجمع مئات الآلاف – إن لم يكن الملايين – في الساحات والميادين لدعم هذا الأسطول، وتُرسل دول عدة سفنها الحربية لحمايته ومرافقته.
وبعد أن فشلت كل الجهود والوساطات لإقناع المتضامنين بتسليم المساعدات إلى طرف ثالث، أو تفريغها في مينائي أشدود أو حيفا لإرسالها إلى غزة، يبدو أن التخلص من تحدي الأسطول لم يعد ممكناً بالسماح له بالوصول إلى القطاع، لأن ذلك سيفتح الباب أمام أساطيل أكثر عدداً، تُنهي الحصار وتُحدث تغييراً استراتيجياً في الحرب الإسرائيلية على غزة والمقاومة.
لذلك، تتجه التحليلات العسكرية إلى ترجيح أن تركز إسرائيل جهودها على إنشاء سد بحري يمنع وصول الأسطول إلى غزة. وتقوم فكرة هذا السد على توزيع تشكيلات حربية بحرية تشكل جداراً يصعب اختراقه، مع استخدام الطائرات المسيرة لإثارة الذعر بالقرب من السفن، بإلقاء قنابل بالقرب من قطع الأسطول والمناورة فوقها.
غير أن هذه الإجراءات لن تردع الأسطول، ولن تجبر القائمين عليه على العودة. بل على الأرجح، سيتحول الأسطول إلى اعتصام بحري قبالة سواحل غزة، تُقدم إليه الإمدادات والمؤن والأدوية، وتُجرى فيه تبديلات بين النشطاء المعتصمين، وتنضم إليه سفن جديدة. علماً بأن الأسطول يتعاظم باستمرار منذ انطلاقه، وهو مرشح لمزيد من الاتساع.

