وضعت نفسي مكان طلبتي لأفهم مشاعرهم، وتعلمت عن خلفياتهم وأسرهم، ودرست أسباب رفض بعضهم للتعلم ومنطلقات مشاغباتهم، سجلتها جميعاً وبدأت بالتعامل مع كل حالة على حدة ووضعت كل تحدٍّ أمامي وحولته لسلم أصعد معهم عليه. تقبلتهم كما هم دون أن أحكم عليهم وطلبت منهم عدم الحكم علي وتقبلي كما أنا فأنا أتعلم معهم، فتحت قلبي لهم متجاوزة كل القوانين والتعليمات فكانت عين على التعليمات، وعين على عيونهم وقلوبهم.
كان الراتب قليلا، ولكن البركة كبيرة، ففرحت به على الرغم من قلته، لم أرضه لنفسي ولكن ما هون علي هو رغبتي بالعطاء والحلم بأن تكون فلسطين في المراتب الأولى عالميا في التعليم. قد يقول البعض أنك كنت واهمة حالمة، وأنا أقول لا، أنا كنت واثقة بمهنة التعليم وأفخر بالمعلمين والمعلمات. فقد كان اسمي منذ كنت طفلة ابنة الأستاذ ورأيت الناس يأتون لبيتنا يستمعون إلى حكايات أبي، ويطلبون منه قراءة الرسائل لهم أو صياغتها، هذا لابنه المسافر للدراسة في لندن، وتلك لزوجها الذي يعمل بالسعودية وآخر ليراجع له عقد العمل في الكويت ويتفحص مكنوناته ويعطيه رأيه بالفرصة المتاحة.
كوني ابنة معلم شجعتني لأخوض هذه التجربة، وأصبح معلمة وأفتخر، ومن ثم مدربة للمعلمين ومتعلمة معهم، ومن ثم باحثة في شؤون التعليم والتعلم. كل هذه الذكريات تراءت أمام عيني اليوم وأنا أرى حال المعلمين وحيرتهم، فما بين الفخر والتعاطف، وما بين الحزن والأمل، وما بين التفهم للحال والفرصة للاستمرار، قررت أن أكتب لهم رسالة محبة أشجعهم على عدم التهاون بحقوقهم والاستمرار بالمطالبة بها بكل الطرق المتاحة، والاستمرار بالعطاء بكل حب وشغف. فالتعليم رسالة سماوية ولا ينتمي إليه إلا المختارون. ومن المؤكد أن هنالك الكثير ممن ينتمون لهذه المهنة، ولكن من يختار أن يكون رسولاً فهذا خياره ويتحتم عليه الاستمرار بالمطالبة بحقوقه، ولكن أيضا الاستمرار برسالته.
تذكرت اليوم أيضا عملي في تدريب وتأهيل المعلمين من خلال قيادتي لكلية العلوم التربوية وإعداد المعلمين تارة في برنامج تدريب المعلمين أثناء الخدمة، وتارة في تأهيل المعلمين الجدد، وتجهيزهم لخوض هذا التحدي. وفي الحالتين رأيت معلمين متشوقين، ومعلمين متخوفين، ومعلمين عابرين، ولكل منهم دوافعهم وأسبابهم ورؤيتهم لمهنتهم وطرائقهم بالتدريس. لكن ما استوقفني دائمًا لم يكن المبدعين وحدهم، بل أولئك الخائفون من الفشل، المتلهفون للتعلم والإبداع، المحبون لذواتهم كمعلمين، المؤمنون بطلابهم. رأيت فيهم تجسيدًا حقيقيًا للتربية بالحب، والانفتاح على التعلم كأساس للعطاء، والإبداع في الممارسات، والصبر على أنفسهم وطلبتهم.
في علاقتي مع المعلمين ركزت على ذاتية المعلم واعتزازه بنفسه كمعلم وفخره بكونه معلما لاعتقادي ان السر يكمن هنا وهنا فقط. فيمكن تحسين معارف المعلم ويمكن تطوير مهاراته، ولكن الأصعب هو تغيير اتجاهاته نحو نفسه إن كانت سلبية، فاستعداده لأن يكون معلما هو الأساس ليكون معلماً متعلماً متميزاً.
أتذكر هنا هبة وهي إحدى المعلمات من برنامج التأهيل التربوي قالت لي كلما تعبت، أتذكر عيني أطفالي وفرحتهم وتشوقهم عند دخولهم للصف الأول، وأخاف من ضياع هذا الشغف ان تقاعست بعملي، وأرى أنني من أصنع الفرق لديهم بإبقاء الشغف وتغيير مفهوم المدرسة، فالمدرسة الجيدة بمعلميها ومعلماتها وليس بأروقتها.
أقف اليوم، وأنا أنظر إلى رحلتي بين الصفوف وقاعات التدريب وأروقة البحث، أزداد يقيناً بأن التعليم ليس وظيفة، بل حياة تُعاش بحب لتضيء بحيوات أخرى. رسالتي لكل معلم ومعلمة: اعتزوا بأنفسكم، واثبتوا في وجه التحديات، فأنتم صُنّاع الغد وحَمَلة نور المعرفة. ومع كل تحدٍ، هناك فرصة لأن نُضيء قلوب طلبتنا ونبني معهم سلماً نحو مستقبل أرحب. نعم، أنا معلمة وأفتخر، وسأظل أؤمن أن رسالتنا هي الأسمى والأبقى.

