تحيط بنا الشائعات في زمن الحرب والإبادة

تحيط بنا الشائعات في زمن الحرب والإبادة
بهاء رحال
04 سبتمبر 2025
تتسلل الشائعات طوال الوقت وتختلف في وتيرة فحواها، ليتسلى بها الناس في هذه الأيام العصيبة، فبينما يأخذها البعض على محمل الجد فزعًا منها ومن عثراتها، مثارًا بالخوف والقلق والفزع، يتندر بها البعض الآخر في سهرات وأمسيات أواخر أيام الصيف، فلا يعيرونها اهتمامًا، ويتركونها تسهر على الأطلال، بينما يخلدون للنوم مطمئنين إلى أن أقدار الله نافذة.

اندفعت الشائعات بين الناس في الأشهر الأخيرة، وازدادت على نحو يثير الريبة في أوساط عدة، وبفعل وسائل التواصل الاجتماعي فإن الشائعات تتدحرج من مجموعة إلى أخرى، بحيث يصعب السيطرة عليها في اتساع الفضاء المفتوح بكل وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة، وفوضى الوقت المحاط بتهديدات الاحتلال وعنصريته المتطرفة، وأطماعه العديدة التي لا حصر لها.

تنمو الشائعات بالعادة في أرضية بائسة شديدة الإحباط، فيتلقفها الناس بشغف لتجاوز واقع الحال المتعثر، وإن كانت في رسمها محفوفة بالمصائب والمخاطر والويلات، فتتسلل بين الناس لتدخلهم في رعب أكبر، وتتركهم يعيشون بترقب واهتمام، وتبعدهم عن حقيقة الواقع الذي عليهم مجابهته، فيسكنون الوهم ويتكئون على أكاذيب خداعة، ويخسرون الواقع، حينها تكون الشائعة أخطر، ما يتهدد المجتمع الذي تتربص به أعين الأعداء، وتدفع بالفتن والشرور بين الفينة والأخرى ليسود الخلاف، وتسود الكراهية.

لم تعد الشائعة بفعل وسائل التواصل الاجتماعي لإثارة الرعب بين أوساط المجتمعات، بل أداة جمع لايكات وانتشار لحظي ووقتي لمن يسعون خلف هذا النوع من الشهرة الزائفة والمقيتة، وسرعان ما يتداولها البعض على نحو من الاعتقاد بأنها صحيحة، قبل أن يكتشفوا أنها مجرد شائعة بذيئة لا أكثر ولا أقل.

تحيط بنا الشائعات التي ترتفع بوتيرة غير مسبوقة هذه الأيام، وسط استمرار حرب الإبادة الجماعية في غزة، وخطط التهجير والاستيلاء على أراضي القطاع، كما يتم تداولها في السر والعلن من قبل ترامب ونتنياهو، الذين يجاهرون بأطماعهم في غزة، وهنا تكمن خطورة الشائعات في كونها تضرب تماسك المجتمع وقوته، وتجعله عرضة لوثة الأوهام والتضليل المتعمد، فتبعد الناس عن التحديدات والأخطار الحقيقية التي تتهددهم، وتجعلهم يطاردون خلف سراب الشائعة، وهذه أداة من أدوات إضعاف المجتمعات، واجب محاربتها ومجابهتها بكل الطرق والوسائل، فليس مسموحًا هذا العبث والتضليل، وهذه مسؤولية جماعية من قبل المجتمع بكل مكوناته.

إن الشائعة تدفع المجتمعات نحو اليأس وتزيد من الاحباط في النفوس، لهذا علينا طرد الشائعات بالأمل لمواجهة كل التحديات في ظل واقع الحصار والقتل والإبادة، وسياسات التجويع والإفقار والضم والتهويد، ولقطع الطريق أمام مروجي الشائعات التي تضر وتفتك وتهدد مصيرنا كشعب وقضية.

 

  • صحيفة القدس
  • ي.ك