قراءة في نهج نتنياهو السياسي

8 نقاط حول فضيحة التسريبات الأمنية الإسرائيلية
نبهان خريشة
04 أغسطس 2025

يُظهر سلوك بنيامين نتنياهو في الملفات السياسية والعسكرية، وخصوصًا في مفاوضاته الداخلية والخارجية، مزيجًا معقدًا من البراغماتية الباردة والمجازفة المحسوبة، ما يجعل تحليله بحاجة إلى أدوات تتجاوز التفسير التقليدي للنوايا والدوافع السياسية. لفهم هذا السلوك، تبرز نظريتان رئيستان: نظرية اللعبة التي تُعنى بدراسة التفاعلات بين الفاعلين في ظل مصالح متضاربة، ونظرية الكارثة التي تفسر الانهيارات المفاجئة أو التحولات الحادة في الأنظمة نتيجة لتراكم الضغوط، وهو ما يفسر تحولاته المفاجئة في الخطاب والسلوك.

نتنياهو، كما يراه بعض خبراء علم النفس السياسي والدعاية في إسرائيل، ليس مجرد سياسي يفاوض بحذر أو قائد يحسم قراراته استنادًا إلى ميزان القوة فقط، بل هو لاعب ماهر في رقعة شطرنج معقدة، يدير خطواته وفق حسابات دقيقة مستندة إلى مفاهيم “التهديد المزدوج” و”اللعب على حافة الهاوية”، وهي أدوات مركزية في “نظرية اللعبة”. يخلق نتنياهو الغموض في مواقفه، ويربك خصومه بتأجيل الحسم، ويبعث بإشارات متناقضة إلى الأطراف المختلفة، مستفيدًا من الغموض كأداة قوة وليس كعلامة ضعف.

لكن هذا السلوك لا يمكن عزله عن نظرية الكارثة، حيث يتحول الغموض أحيانًا إلى فوضى، والمراوغة إلى انزلاق لا يمكن السيطرة عليه. يبدو أن نتنياهو يدرك– بل ويستثمر– في لحظات الانهيارالمحتمل لتوليد فرص جديدة. مثل هذا السلوك قد يظهر مثلًا في تعامله مع ملف الحرب على غزة، أو مع المعارضة الداخلية، حيث يصعّد الأزمة إلى حدود شبه كارثية، ثم يطرح نفسه كمنقذ أو كمن يملك مفتاح التراجع الآمن. هذه الديناميكية تُحدث تحولات حادة في المشهد السياسي، وتعيد ترتيب الأولويات، سواء داخل إسرائيل أو في علاقاتها مع الخارج.

التفاوض لدى نتنياهو ليس فقط حوارًا سياسيًا، بل إدارة معقدة لأزمات متعمدة تخلق ديناميكيات ضغط تسمح له بتمرير ما يصعب تمريره في الظروف العادية. حين يرفع سقف التوتر إلى حافة الانفجار، فهو لا يهدف دائمًا إلى الحسم، بل إلى توسيع هامش المناورة. هذه الاستراتيجية، وإن بدت فعالة على المدى القصير، إلا أنها تترك خلفها تراكمات من الشكوك والعداوات، وتجعل من كل جولة تفاوض أو أزمة محتملة نقطة انكسار أو تحول غير متوقع، أي كارثة مؤجلة.

بهذا المعنى، فإن فهم سلوك نتنياهو التفاوضي يستدعي دائمًا طرح السؤال: هل يتحرك وفق خطة محسوبة داخل لعبة معقدة متعددة الأطراف؟ أم أنه يُقاد، أحيانًا، بقوة الضغوط المتراكمة نحو سيناريوهات لا يتحكم بمآلاتها بالكامل؟ بين هاتين النظريتين، يبدو أن نتنياهو نفسه لا يسعى لإيجاد توازن، بل يتعمد إبقاء الجميع في حالة ترقب، تتيح له أن يكون هو المتغير الوحيد الثابت في معادلة متحولة.

ومن المرجح أن الجيش الإسرائيلي يدرك جيدًا طبيعة “اللعبة” التي يمارسها نتنياهو، بل ويمكن القول إن وعيه بها هو أحد أسباب التوتر والصدام المستمر مع المؤسسة السياسية. الجيش، كمؤسسة مهنية، يعمل وفق منطق استراتيجي قائم على تقييمات أمنية مدروسة، بينما يتحرك نتنياهو في كثير من الأحيان وفق منطق سياسي محض، يتداخل فيه البقاء في السلطة مع إدارة الأزمات المفتعلة وتوظيفها داخليًا وخارجيًا. هذا التباين بين العقلية المؤسسية والانفعالية السياسية هو ما يفسر كثيرًا من مظاهر تضارب المواقف.

فعلى سبيل المثال، في أكثر من محطة، أبدى قادة الجيش انزعاجًا من قرارات سياسية لحكومة نتنياهو اعتبروها تقوّض الاستراتيجية العسكرية أو تضع الجيش في مأزق عملياتي غير ضروري، كما في موضوع اجتياحات غزة أو استمرار الحرب رغم وضوح حدود الإنجاز العسكري. وفي المقابل، يسعى نتنياهو إلى إبقاء زمام المبادرة في يده، حتى لو اضطر إلى تجاوز أو تجاهل توصيات المؤسسة الأمنية. هو يلعب اللعبة السياسية إلى النهاية، بينما الجيش يطالب بحدود واضحة للعبة الحرب، وهو ما لا يتفق بالضرورة مع أهداف نتنياهو المتغيرة.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير الذي افادت وسائل إعلام إسرائيلية بأنه منزعج، أمامه خيارات محدودة، لكنها حساسة في مواجهة تجاهل نتنياهو لتوصيات الجيش والمخابرات، والتي تؤكد أن “الإنجازات” العسكرية الإسرائيلية في غزة بلغت سقفها الأقصى. الخيار الأكثر جذرية أمام زامير هو التلويح بالاستقالة أو تقديمها فعلاً، ما قد يخلق هزة داخلية كبيرة في المؤسسة العسكرية ويمثل ضربة لشرعية استمرار الحرب، خاصة إذا ترافقت مع احتجاجات من داخل هيئة الأركان أو من ضباط كبار.

أما الخيار الآخر، فهو تعزيز الضغط المؤسسي من داخل المنظومة الأمنية عبر التصريحات المبطنة، والتسريبات المقصودة، وتفعيل القنوات البرلمانية والدولية لتأكيد الموقف المهني الذي يرى أن الاستمرار في الحرب يتجاوز حدود الجدوى العسكرية ويدخل في منطق المقامرة السياسية. إلا أن زامير، ككل القاده العسكريين، يبقى محكوماً بالانضباط وسياق العلاقات المدنية-العسكرية في إسرائيل، ما يجعله يسير على حبل مشدود: لا يريد أن يتحول إلى أداة في صراع سياسي داخلي، ولا أن يُسجل عليه التاريخ صمتاً مهنياً في لحظة مفصلية.

أما المعارضة من جهتها، فهي تعرف قواعد اللعبة أيضًا، لكنها تجد نفسها محاصرة بين خيارين: إما المواجهة المباشرة مع خطاب نتنياهو الأمني – ما يُعرّضها للاتهام بعدم الوطنية – أو الانخراط في لعبة التأجيل والمزايدة التي يفرضها رئيس الحكومة، وهي لعبة لا تُجيدها المعارضة دائمًا. من هنا، يمكن فهم التضارب في المواقف داخل النظام السياسي الإسرائيلي كنتاج مباشر لصدام بين من يريد إدارة الصراع و”اللعب على الحافة”، ومن يريد حسمه أو ضبطه ضمن حدود واضحة. وفي لحظات الأزمات الكبرى، كما في الحرب على غزة، يتجلى هذا التناقض بحدة، حيث يتحول التباين إلى صراع إرادات بين من يرى الدولة كمنظومة مؤسسات، ومن يتعامل معها كأداة بقاء سياسي وشخصي…

 

  • صحيفة القدس
  • ي.ك