الرواتب المبتورة.. الاقتصاد والسياسة في زمن الحرب

صرف رواتب الموظفين غدا الخميس
إياد شماسنة
02 أغسطس 2025
في مشهد يزداد قتامة يومًا بعد يوم، تُصرف رواتب الموظفين العموميين في الأراضي الفلسطينية بنسبة لا تتجاوز 35%، ومؤخراً بنسبة 60%،  وبصورة غير منتظمة، في ظل عجز مالي رسمي مستمر منذ قرابة عامين. هذا العجز لا يعكس مجرد خلل مالي طارئ، بل يُجسّد في عمقه ملامح تفكك بنيوي داخل منظومة الحكم، ويتقاطع مع شبكة من التحديات السياسية، والمؤسساتية، والأمنية، تعصف بمجتمع مُحاصر ومُستنزف تحت وطأة الاحتلال والحرب والتهميش المتراكم.أصبح تأخر الرواتب علامة فارقة على اهتزاز العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتراجع القدرة على الإيفاء بوظائف الدولة الأساسية، في سياق تتآكل فيه السيادة، وتُستنزف فيه الموارد، ويُعاد فيه طرح أسئلة كبرى عن مصير السلطة، ومستقبل المشروع الوطني، ووظيفة الدولة نفسها.

 

اقتصاد هشّ على أرض محترقة: تشريح الأزمة المالية

كانت المالية العامة الفلسطينية، حتى قبل حرب السابع من أكتوبر، تُعاني من هشاشة مزمنة ترتكز على اقتصاد ريعي تابع، وارتهان سياسي– مالي للمساعدات الخارجية، وتحكّم إسرائيلي صارم في الموارد الأساسية. ويكفي أن نُشير إلى أن 70–80% من إيرادات الحكومة الفلسطينية تأتي من مصدرين مشروطين: المقاصة الجمركية التي تتحكم بها إسرائيل، والمساعدات الدولية التي تتقلّب وفق موازين السياسة الإقليمية والدولية.

منذ سنوات، بدأت هذه الموارد بالتآكل؛ حيث تقلّص الدعم الأوروبي والعربي تدريجيًا، تحت ذرائع تتعلق بالحوكمة أو التوجّهات السياسية، وازدادت الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة، تحت بند “معاقبة” السلطة على صرف مخصصات الأسرى والشهداء. وفي بعض الأشهر، امتنعت إسرائيل بالكامل عن تحويل الأموال، مما خلق فجوات مالية لا يمكن سدّها بالموارد الذاتية الضعيفة.

نتيجة لذلك، دخلت الحكومات الفلسطينية في حلقة مفرغة من الاقتراض الداخلي، والاعتماد على القروض المؤجلة، وتقليص النفقات الجارية، وعلى رأسها الرواتب. ولأن الحكومة تُوظف قرابة 135 ألف موظف مدني وعسكري، فإن أي خلل في الرواتب يتحوّل فورًا إلى أزمة مجتمعية تمسّ الاستقرار اليومي لقرابة مليون نسمة.

 

الحرب: الضربة القاضية لما تبقّى من السيولة والسيادة

شكّل اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 نقطة تحوّل كارثية في الوضع الاقتصادي–السياسي. إذ لم تُشكّل الحرب مجرد عامل ضغط إضافي، بل كانت بمنزلة الضربة القاضية التي فجّرت التناقضات البنيوية في النظام السياسي والاقتصادي الفلسطيني.

فعلى المستوى المالي، تراجعت الجباية المحلية بشكل حاد، بسبب انعدام الأمن في المحافظات الشمالية للضفة الغربية، وتدهور حركة الأسواق، وانكماش القدرة الشرائية للمواطنين. أما على مستوى التمويل الخارجي، فقد قامت العديد من الجهات المانحة بتجميد دعمها المباشر للسلطة، أو تحويله نحو منظمات المجتمع المدني، ضمن سياسة “إعادة توجيه المساعدات” بعيدًا عن الحكومة.

الأدهى من ذلك أن البنوك المحلية، التي كانت تلعب دورًا موازنًا عبر تقديم تسهيلات ائتمانية للحكومة وللموظفين، أوقفت هذا الدور تدريجيًا، بعد ازدياد نسب التعثّر، وخوفًا من فقدان السيولة. وهكذا وجدت الحكومة نفسها، فجأة، أمام معادلة صفرية: لا جباية، لا مساعدات، لا قروض، ولا أدوات لإعادة التوازن.

فقدان الشرعية عبر بوابة الراتب

في السياق الفلسطيني، لا تمثّل الرواتب مجرد أداة اقتصادية عادية، بل تصبُّ هي في صميم العلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم. فهي، بغياب الدولة السيادية، أصبحت تعويضًا عن فقدان الحقوق السياسية والاجتماعية، ومصدرًا وحيدًا للكرامة المعيشية، خصوصًا في ظل غياب شبكات حماية اجتماعية فعّالة.

وحين يتقلّص الراتب إلى ثلثه، ويتأخر إلى أجل غير معلوم، ويتحوّل إلى تذكير شهري بالعجز بدل أن يكون ضمانًا للكرامة، فإن علاقة المواطن بالمؤسسة الحاكمة تدخل طورًا جديدًا من التشكيك، والاحتجاج ولو بصمت.

بدأنا في مؤسسات التعليم والصحة والأمن، نلحظ ظواهر جديدة: تسرب وظيفي غير معلن، أداء منخفض، احتجاجات رمزية، تراجع في الالتزام المهني، وتحول تدريجي نحو أنشطة غير رسمية، بل وهجرة عقلية–معنوية من الخدمة العامة.

 

الرواتب: من أداة استقرار إلى عامل تفكك مؤسسي

لعبت الرواتب، تاريخيًا، دورًا مركزيًا في هندسة الاستقرار داخل السلطة الفلسطينية، خاصة بعد تأسيسها عام 1994، حيث جرى توظيفها ليس فقط كتعويض اقتصادي، بل كأداة سياسية–اجتماعية لبناء شبكات الولاء، وخلق قاعدة بيروقراطية موالية، وتحييد قطاعات واسعة من المجتمع عن الحركات الاحتجاجية أو المعارضة المؤسسية.

غير أن هذا الترتيب بدأ بالتفكك مع تآكل القدرة على دفع الرواتب بشكل منتظم وكامل. فالسلطة التي كانت تعتمد على “الاستقرار الوظيفي” كبديل عن الاستقرار السياسي أو الإنجاز الوطني، بدأت تفقد قدرتها على تأمين الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي لموظفيها. ومع تحول الرواتب إلى تحويلات مجتزأة وغير منتظمة، تفككت العلاقة النفسية والسياسية بين الموظف والدولة.

نتيجة لذلك، نشأ نمط من “الانسحاب الصامت” داخل القطاع العام: أداء وظيفي منخفض، التزام مهني متدنٍّ، اضطرابات قطاعية متكررة، وشعور عام بفقدان الأفق. ولم يعد القطاع العام ملاذًا للطبقة الوسطى، بل صار مصدر قلق وجودي ومعيشي، يدفع آلاف الأسر إلى دوائر الفقر، أو نحو الاقتصاد غير الرسمي، أو حتى الهجرة.

 

معادلة الفقر والامتياز: تفكك التوازن الطبقي

في ظل الأزمة المالية الممتدة، نشهد انقسامًا اجتماعيًا خطيرًا داخل الجهاز البيروقراطي نفسه. فهناك فئة محمية، ما تزال تحظى بدخول ثابتة نسبيًا، أو فرص وصول إلى مصادر تمويل غير معلنة. في المقابل، تعاني الغالبية العظمى من الموظفين من انقطاع الدخل، وتضخم الديون، واللجوء إلى السلف البنكية، أو بيع الأصول العائلية الأساسية (ذهب، أراضٍ، مدخرات) من أجل البقاء.

هذا المشهد يُنتج “معادلة صفرية” بالمعنى الاقتصادي: من يملك النفوذ يحصل على حصة أكبر من الانكماش العام، فيما يدفع الفقراء ثمن الانهيار وحدهم. وهكذا، تتحول الدولة من أداة توزيع للثروة، إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوتات.

هذا التحول يُعيد طرح سؤال “عدالة التوزيع”، الذي يهدد بدوره شرعية البنية السياسية نفسها. فالدولة التي لا تستطيع أن تضمن لموظفيها قوت يومهم، تصبح معرضة لفقدان قدرتها على طلب الولاء، أو حتى الطاعة الإدارية.

 

السياسة في مأزق مزدوج: فراغ الشرعية وانسداد الأفق

إن الأزمة ليست مالية فقط. بل إن العجز المالي فضح فراغًا أعمق: غياب الأفق السياسي الوطني القادر على تجديد الشرعية، وتحريك الناس نحو أمل مشترك. أصبحت السلطة تبدو، لدى الناس تحت المعاناة، كجهاز إداري معزول عن الفعل الوطني، وعاجز عن مخاطبة تطلعات الشارع. ومع استمرار الانقسام الداخلي، وغياب الانتخابات، وتآكل وظائف المجلس التشريعي، لم يعد لدى النظام السياسي أدوات حقيقية لتجديد نفسه، أو لتمثيل جمهور يُعاني من التهميش والسخط.

في هذا السياق، تبرز أصوات محلية، وقطاعات مجتمعية، ومجموعات شبابية، تسعى لإعادة تعريف الفعل السياسي خارج الأطر التقليدية. لكنّ غياب البيئة التمثيلية، وضعف البنية المؤسسية، يجعل من هذه الأصوات متناثرة ومحدودة التأثير، في ظل الانسداد العام.

 

ثلاثة سيناريوهات متوقعة: اختبار البقاء أو التحول

في ظل هذه المعطيات، يمكن رسم ثلاثة مسارات رئيسية محتملة أمام النظام السياسي الفلسطيني خلال السنوات القادمة:

1. الاستمرار في سياسة التسكين والتأجيل:  عبر صرف نسب جزئية من الرواتب كل بضعة أشهر، والاعتماد على المساعدات الطارئة، وضبط الاحتجاجات الأمنية والإدارية بوسائل تقليدية. هذا الخيار قد يُؤجل الانفجار، لكنه لا يُعالج الجذور، وقد يتحوّل في أي لحظة إلى انهيار مفاجئ.

2. تفكيك ناعم للسلطة لصالح ترتيبات بديلة: أي إعادة توزيع الوظائف الحكومية على منظمات دولية أو مجالس محلية، كما يُجرى في بعض مناطق C في الضفة أو في المخيمات. لكنه خيار يحمل خطر “تفكيك تدريجي للدولة”، وتحويل الفلسطينيين من شعب يسعى لدولة، إلى مجتمع يخضع لإدارة خدماتية لا سيادة لها.

3. إعادة تشكيل النظام السياسي والاجتماعي:  وهو الخيار الأصعب، لكنه الوحيد القادر على إحداث قفزة في الثقة العامة. يشمل هذا الخيار: إجراء انتخابات، تأسيس عقد اجتماعي جديد، إصلاح المنظومة المالية، وربط الاقتصاد بالإنتاج بدل الريع، وإعادة تعريف وظائف السلطة في ضوء التحديات الوطنية الجديدة.

 

إعادة تعريف العقد الاجتماعي أو عبور العتبة نحو ما بعد الدولة

أزمة الرواتب هي مؤشر تقني–مالي، لكنها في جوهرها تعبير عن اختلال عميق في العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين السياسي والاقتصادي، بين الشرعية والتمثيل، بين الكرامة الفردية ووظائف النظام.

لسنا فقط أمام أزمة سيولة. نحن أمام أزمة ثقة، أزمة معنى، أزمة غاية وأزمة عقد اجتماعي . ومع تصاعد الضغوط، لم يعد أمام الفلسطينيين سوى خيارين: إما إعادة تعريف العقد الاجتماعي القائم على الشفافية، والعدالة، والمساءلة، وإما الانزلاق إلى نمط من “ما بعد الدولة” حيث تتفكك المؤسسات، وتتفرد الشبكات والولاءات، وتضيع البوصلة الوطنية.

هذه لحظة تاريخية فارقة، لا يمكن التعامل معها بمنطق التأجيل أو “التسوية التقنية”. بل تتطلب قرارًا سياسيًا شجاعًا يعترف بأن الدولة لا تُبنى فقط بالسلطة، بل بالثقة.

 

  • صحيفة القدس
  • ي.ك