قيامة كنعان

قيامة كنعان
د. رمزي عودة
15 أغسطس 2022

لم يقم كنعان فقط في ذلك البرنامج الذي أطلقته المكتبة الوطنية لإحياء النقوش الكنعانية، ولكنه قام ‏في نابلس حيث إستشهد إبراهيم النابلسي، وروى دمائه ثرى جبل النار، وقام في جنين والدهيشة ‏وغزة والخليل. قام كنعان في عيون الأسرى الذين يختزلون الصمت في صدورهم ويُحجبون عن ‏شمس الحرية. قام كنعان في تلك المرأة التي قتلها جنود الاحتلال وهي تسير في شارع الموت في ‏حوسان. قام كنعان من دماء الشهداء وأنجب في أرحام الأمهات الفلسطينيات أطفال الحجارة. كان ‏كنعان إلهاً للحرية ونبياً يدعو الناس الى تحرير القدس . قام كنعان في أزقة المخيمات وفي صلبان ‏بيت ساحور وفي صلاة الفجر العظيم في نابلس، وفي مدن السلام التي أضحت مدناً للحرب ‏والدمار. قام كنعان في مؤاب وفي عمان ليبرق رسالة الحب والشوق والحنين الى صور وصيدا ‏ودمشق مؤذنا بالوحدة والتحرير.‏

لم تكن قيامة كنعان لقباً يختزل النقش في أيقونة المكان وحسرات الزمن. بل كانت قيامة حضارة ‏عظيمة بناها أجدادنا الكنعانيون في يبوس ومجدو وعسقلان وأريحو. كان كنعان الفلاح وصار ‏كنعان فلاح. كان كنعان آلهةً للجمال وصار كنعان رمزاً لعيون النساء الملونة في القدس وبيروت ‏والشام. حارب كنعان العابرون وأصبح كنعان فدائياً يقاتل الاحتلال.. كان كنعان نبياً لم يُكتشف بعد ‏في نقوش ميشع وسلوان ومجدو، ولكنه غدا ذاتاً لا تدرك الا في أحلام الشباب وصور البطولة ‏والملاحم ودموع أمهات الشهداء وأحيانا “زغاريدهن” التي تزف أبنائهن فداءً للوطن. كان كنعان فناً ‏ورقصاً وأهازيجاً في مدن لم تعرف الحرب الا في عهد من عبروها ومزقوها ثم ساروا في جنائزها ‏وإدعوا أنهم ورثوها. كان كنعان عشقاً أبدياً للأرض وأصبح كنعان إلهاً للأرض والانسان. ‏

في مدينتي، يمتزج الحب بلون الدماء، وتُقبل عشتار، آلهة الجمال، في كل ليلة على كنائسها ‏ومساجدها، لتبحث عن مكان للعشق تارةً، ومكان للحزن تارةً أخرى. وفي كل ليلة تزورنا عشتار ‏تصلي من أجل الشهداء وتحتضن الأمهات الثكلى وتدعو لنا أن يقوم كنعان ويخلصنا من دنس ‏صهيون.. وقد قام كنعان أخيراً، يمزق أسطورة صهيون فوق أسوار القدس. ‏
في مدينتي، الثوار يجيدون العشق وإطلاق الرصاص . في مدنيتي أطفال يحبون الحياة ويكرهون ‏صهيون. في مدينتي لا نخشى الموت ونحب الحياة أكثر. في مدينتي كنعان قام في كل الأرواح ‏وفي كل الأشياء . في مدينتي ليس هنالك مكان لصهيون . هنالك فقط مكان لفلسطين . كنعان يا ‏سادتي لم يمت . كنعان ثورة الثائرين وغضب الشهداء الثلاثة في نابلس، وعين زكريا المتمردة في ‏جلبوع، وعناد غسان في الدهيشة . إنهم جميعا كنعانيون .. إنهم فلسطين. ‏

 

– صحيفة القدس
– ي.ك