الحد من البطالة من خلال مشاريع صغيرة مستدامة

الحد من البطالة من خلال مشاريع صغيرة مستدامة
عقل أبو قرع
06 أغسطس 2022

تتسابق الوزارات والمؤسسات غير الحكومية والجهات الدولية المانحة من أجل دعم الشريحة من ذات الفئات العمرية الصغيرة، من الشابات والشباب، وبالتحديد من الخريجات والخريجين، والتي تشكل النسبة الأكبر من التركيبة الديمغرافية لمجتمعنا الفلسطيني، تلك الشريحة التي يتراكم الخريجون والخريجات منها بعشرات الآلاف في سوق العمل كل عام  دون عمل، ومع شبح بطالة قاتم تنتشر انعكاساته في مختلف المجالات.

وحسب استطلاعات لجهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، ارتفعت نسبة البطالة بين خريجي المعاهد والكليات والجامعات، من حوالي 42% في العام 2007 الى حوالي 56% في العام 2017، وتزداد باطراد، في ظل ضعف التخطيط وجشع الجامعات لاستقطاب اكبر عدد من الطلبة، وتصل نسبة البطالة عند خريجي بعض التخصصات الى حوالي 70%، أي ان حوالي 700 خريج من هذه التخصصات من مجموع 1000 خريج لا يجدون عملا، وبالإضافة الى ذلك، أشار جهاز الإحصاء الى أن حوالي 30% من الشابات والشباب يعيشون تحت خط الفقر المتعارف عليه، وهذه الأرقام وغيرها مرعبة ومقلقة وتتطلب التعامل معها، سواء من خلال الجهات الرسمية المعنية، أو من قبل المنظمات الدولية أو مؤسسات المجتمع المدني المتعددة التي تنادي أو تتسابق لدعم الشباب من خلال المشاريع المختلفة التي تقوم بتنفيذها.

حيث بات عدم العثور على عمل عنوان الأوضاع المؤلمة والمحبطة وبالأخص للخريجين المتحمسين للعمل، سواء في القطاع الخاص وهو القطاع الواعد والذي يعول عليه في بلادنا وفي الكثير من بلدان العالم، أو في القطاع العام المثقل والخامل والراكد، الذي لا يستوعب من الموظفين الجدد إلا بقدر ما يغادره من موظفين سواء بسبب التقاعد أو لغير ذلك من الأسباب، وفي ظل اقتصاد محدود ومقيد ويرزح تحت أهواء الاحتلال، وتتلاعب فيه وفي إمكانية ومستوى نموه، الكثير من مصالح الأطراف الدولية والإقليمية وحتى المحلية.

وحتى في ظل حالة عدم الاستقرار والخوف عند رأس المال الخاص، والذي فقط يعمل كما تشير أرقام الهيئات المختصة، على تكديس المليارات في البنوك والتي تزداد سنويا، آملا بأن تتغير الأوضاع ليتم ضخها الى الأسواق، في ظل كل ذلك أليس من الأجدر اتخاذ مبادرة أو مبادرات على الصعيد الوطني من أجل إنشاء مظلة حاضنة وبعقل إداري عصري موضوعي يتلاءم مع الاحتياجات المحلية والعالمية، لإقامة مشاريع صغيرة إنتاجية مستدامة تنبع من الاحتياجات والإمكانيات، سواء لشخص أو لمجموعة من الأشخاص، وقادرة على إبعاد شبح وتداعيات البطالة أو عدم العمل، من كافة النواحي، سواء أكانت النواحي الاقتصادية والاجتماعية أو حتى الآثار النفسية.

حيث ان هناك العديد من المؤسسات، ومن ضمنها الدولية والإقليمية، تقوم بالعمل على محاربة أو الحد من البطالة، من خلال دعم تطبيق فلسفة “المشاريع الصغيرة الإنتاجية المستدامة”، أي المشاريع التي لا تنتهي مع نضوب الدعم او المنح، بل تستمر من خلال ناتجها الذاتي، وبل تنمو وتكبر وتتوسع، سواء من ناحية الكمية، او النوعية أي تتفرع الى أعمال أخرى، قد يكون لها علاقة ما بالعمل الأصلي او قد لا يكون، واستراتيجية الدعم هذه، يمكن ان تتم من خلال الدعم المادي المباشر، أو من خلال التدريب، أو من خلال دراسات الجدوى، أو من خلال المساعدة في التخطيط والتقييم، أو من خلال كل هذه الأعمال معا، وهذه الاستراتيجية هي ما نحتاجه في بلادنا، إما لمحاربة الفقر، او للحد من البطالة، ومن المعروف انهما مترابطان.

وفي بلادنا، حين تصل نسبة البطالة بشكل عام الى حوالي الـ 28%، وعند الخريجين الى اكثر من 60%، وتصل نسبة الفقر بشكل عام الى حوالي 25%، أي ان حوالي ربع السكان فقراء، فالأمر يتطلب اكثر من توزيع المساعدات العينية او المادية مع بداية كل شهر والتي لا تتعدى المئات من الشواكل، بل يتطلب حلولا لها صفة الاستدامة، أي مساعدات لمرة واحدة فقط، تنهي الاعتماد على الحكومة او غيرها من الجهات، وتنهي عملية الانتظار حتى نهاية الشهر لتلقي المساعدات، وتخلق روح المسؤولية والكرامة والاهم روح العمل والمثابرة وترسخ مبدأ الاعتماد على الذات وليس على الحكومة او الآخرين.

والمشاريع الصغيرة الإنتاجية المستدامة، ذات التكلفة غير المرتفعة سواء أكانت تتمثل بإنشاء معمل خياطة متواضع مثلا، او بيت بلاستيك للزراعة، او اقتناء بعض الأغنام او الأبقار للحم او للحليب، او حتى اقتناء ورشة حدادة او ميكانيك او لإصلاح الكمبيوتر، او تبني اكتشاف او اختراع جديد، وما الى ذلك من الأمثلة، هي المشاريع التي تعتمد على نفسها او ناتجها وبشكل دائم، وهذه المشاريع تبدو هي الأمثل والأكثر واقعية والأكثر إنسانية او الأكثر كرامة لمعالجة الفقر في بلادنا، وبالطبع هذه المشاريع ورغم حجمها او قلة تكاليفها او مساهمتها في الاقتصاد، إلا أنها تعتبر مشاريع ريادية.

وفي دول عديدة، وبالإضافة الى الأموال او الجهود المخصصة لمشاريع الحد من الفقر والبطالة، هناك صناديق استثمارية، سواء من أموال القطاع العام أو أموال القطاع الخاص، حيث تبحث هذه الصناديق عن الأفكار والأشخاص المبدعين الذين تزخر بهم بلادنا وتجذبها، وتوفر لهم الأموال اللازمة والبيئة الملائمة للنجاح واكثر من ذلك، وبالطبع هناك الحوافز التي يجب ان توفرها الجهات الرسمية، سواء أكانت تتعلق بالبنية التحتية او الضرائب او التسهيلات اللوجستية والمالية من اجل البدء بمشاريع الريادة، ولا داعي للذكر ان مشاريع الريادة هي بشكل عام مشاريع تتسم بالمغامرة.

ومع الانتهاء من حفلات التخريج لهذا العام، وتواصل ارتفاع نسب البطالة عند الشباب الخريجين، يتواصل تدفق الآلاف من الخريجين الى سوق العمل الذي لا يوجد فيه عمل،  فمن الأحرى في بلادنا، ان نهتم اكثر بالكفاءات البشرية التي تبحث عن فرصة للبدء بمشروع، وان نقدم لها التسهيلات، بدءا من المكان والبنية التحتية، وكذلك تخصيص الصناديق لذلك، ليس فقط للبدء بالمشروع ولكن كإحدى الضمانات في حال الفشل، ولا يعني هذا ان الدعم والتشجيع يقع على الحكومة فقط، ولكن هناك دورا مهما للقطاع الخاص الفلسطيني، ولمؤسسات الدعم العامة والمجتمع المدني، في رعاية ودعم وتشجيع الإبداع والابتكار والريادة، والأهم اعتبار المشاريع الريادية الإنتاجية الصغيرة، وبصرف النظر عن حجمها او أهميتها إحدى الركائز المهمة لمكافحة البطالة وتداعياتها، سواء أكان خلال المدى القصير او الطويل، وسواء أكان ذلك للخريج الحالي أو لغيرهم من الخريجين الذين يحملون شهادات من شتى الأنواع والدرجات ويملكون المهارات وإمكانيات الإبداع.

 

  • صحيفة الأبام
  • ي.ك