لو كانت الأخبار تصله لعرف أن أمه قد ماتت بمتلازمة القلب المكسور، وهو يعرف جيداً أننا حين نقول ان فلاناً قد كسر قلبي بمعنى انه قد أصابني بالحزن، ويحدث ان يكون التعبير لتوصيل رسالة الخذلان، لكن المعنى الحقيقي والتفسير العلمي لمتلازمة القلب المكسور هي ان صاحب هذا القلب قد أصابه الحزن لدرجة كبيرة حتى فقد حياته، وهذا ما حدث قطعاً مع أم الطبيب، كيف لا وهي تعرف جيداً وتتخيل في كل ليلة أمضاها ابنها بعيداً عنها وبين ايدي مغول العصر ما يلقاه هناك وبين أيديهم من تعذيب ليس إلا موتاً بطيئاً ممنهجاً ومنظماً، وربما أدى فعلا إلى ان يفقد حياته أمام صمت عالمي مطبق بغيض، لا يكترث لحياة الأبرياء المعتقلين سواء المواطنين البسطاء العاديين، او الأطباء الذين يحملون رسالة علاج المرضى والذين يجب ان يكون لهم حصانة خاصة تكفلها كل الأعراف الدولية؟ ولكن أمام غطرسة هذا الظالم والمتكبر والمتجبر فلا احد يكون ذا حصانة او حماية، والجميع معرض للتعذيب بكل صوره وأبشعها، وحيث يعتبر الناجي من معاقل التعذيب والتنكيل قد كتبت له حياة جديدة او كما يقول آباؤنا بأنه طويل العمر.
ودعت الدنيا الظالمة في ليلة الأربعاء أم الطبيب حسام أبو صفية الذي يعرف اسمه القاصي والداني ويعرف بطولته وقدرته على الصبر اللامحدود حين ظل على رأس عمله كطبيب، ورفض السفر والخروج من غزة، وحين ودع ابنه الشاب الذي قتل امام ناظريه بل صلى عليه صلاة الجنازة وأودعه قبراً بشكل عاجل بالقرب من سور المشفى لصعوبة الوصول إلى المقابر، وسط حصار ظالم ومطبق على المنطقة في شمال غزة، وكان ذلك قبل مدة وجيزة، واستمر بعد ذلك لكي يداوي الجرحى والمصابين ويخفف عن الفاقدين، حتى نالته يد الغدر وألقت به في غياهب السجون.
لنا ان نتخيل حال الأم وهي تفقد ابنها الذي ربته كما يقولون «كل شبر بنذر» وتعبت وعانت مثل كل أمهات فلسطين من أجل أن تراه طبيباً مرموقاً وتراه أيضاً زوجاً وأباً حنوناً، وقد اصبح لديه ستة من الأبناء يتمنى أن يكمل رسالته معهم، وان يبني لهم مستقبلا افضل مما كان له سائراً على خطى والديه، لكنه هكذا اختفى من بينهم واصبح بلا خبر ولا رسالة ولا أي تصريح يطمئن قلبها عليه، وهي تعرف جيداً قصصاً كثيرة لأطباء قد دخلوا السجون قبله وعادوا إلى أهاليهم في اكفان، وبعد تشويه جثامينهم بكل غطرسة وبكل ما في قلوب من عذبوهم من حقد وانتقام، ولذلك فهي قد عانت كثيراً في كل ليلة وبكت كثيراً، وربما كانت تسكت قليلاً حين يجتمع حولها الناس ممن يواسونها وممن يحاولون التخفيف عنها، لكن قلبها لا يحتمل كل هذا وهي تتخيل مجرد التخيل أن ابنها قد اصبح مجهول المصير، وان كل يوم يمر يبعد أخباره اكثر ويجعل احتمالات نجاته تتضاءل، لأنه وقع بين ايدي مَن هم لا رحمة ولا إنسانية في قلوبهم.
مرت الليالي قاسية وطويلة على ام الطبيب «حسام أبو صفية» وبكت وسكتت ولهج لسانها بالدعاء، ولكن القلب لم يعد يحتمل، وناء بحمله واجتمعت كل الأفكار السوداء في رأسها، ورسمت أمام مخيلتها وهي لا تعرف مكاناً لابنها، وأمام إنكار واعتراف من الاحتلال بمكانه او تعرضه للاعتقال، ولذلك لم يحتمل هذا القلب فأصابه كسر حتى تهاوى متخبطاً بحزنه وألمه ولوعته ودموعه وسخطه على كل هذا العالم.
ماتت أُم الطبيب، وقبل ذلك ماتت الضمائر الصامتة والنائمة والتي تتلقى جرعات من التخدير لتعيش في هلوسات وخرافات وتخيلات بأن ما يحدث لا فكاك منه، وأن الحراك لا جدوى منه رغم أن العالم كله لو وقف وقفة واحدة وصرخ صرخة واحدة لربما استطاع أن ينقذ قلب أم الطبيب، ولكن ذلك لم يحدث.
- صحيفة الأيام
- ي.ك

