تغار منها الصبايا

تغار منها الصبايا
حسن البطل
29 مايو 2022

«خَتْيَرَت» القلعة، أو تَقَلَّعَتْ أسنانها، وامتلأ الرأس بندوب الجراح العتيقة تجاور الجراح الفاغرة.

إنها قلعة الشقيف، اعتلاها جنود غير نظاميين براياتٍ غير نظاميّة.. في حربٍ منتصرةٍ غير نظامية.

كل منتصر يدخلها ضاحكاً، وكل مهزوم يغادرها كسيفاً. والجميع احتمى بحجارتها من صَليات الرصاص، وحجارتها مرابض للقصف من جنوب لبنان إلى شمال فلسطين، ثم مرابض للقصف من جنوب لبنان إلى شمال لبنان.

ستعود الماعز صاعدة القلعة بعناد التيس وقوّة أظلافه، لتنتش العشب بأسنانها. وتحت العشب تراب شرب من دماء المنتصرين ودماء المهزومين.

هذه القلعة بناها الصليبيّون حصناً وتركوها، ولا أحد يعرف، الآن، مكان راياتهم القديمة، وأين ناموا، بكوا، توالدوا. كانت الحجارة تسمى «حصن بوفور»، وتسأل الغيم عن رحلته والريح عن وجهتها.. فيأتيها الغزاة من جميع الجهات!

الذين جاؤوها من الشمال في طريقهم إلى أرض «القبر المقدّس» تطلعوا من نوافذها الجنوبية.. ثم تدحرجوا إلى الجنوب، بخيولهم الثقيلة ودروعهم الحديدية، وخوذاتهم.. ورماحهم الطويلة، وسيوفهم الرومانية المستقيمة.

يسقط الرجال حول القلعة وفي القلعة، ويتساقط الرجال تحت أقدام جدرانها العالية.. وأخيراً، يرفعون رايات جديدة، وينظرون من أعلى القلاع إلى نوافذ جديدة. يسألون الريح كما سألها الغزاة المنتصرون – المدحورون.

الخيول تصعد وئيداً، وتنزل خبباً، تطرطق الصخر بسنابكها الحديدية، أو تبعثر الحجارة.. فمن يسأل العشب عن بلواه؟ سينساها في ربيع آخر.

الفدائيون يصعدون بثياب النمر، وخطوات القطط، ويأتون من مخيم في الشمال، ليفتحوا نوافذ لريح حيفا، ومرابض مدفعية، وفي الخلف «شاي الفدائيين» على نيران العشب والحطب. أحمر حتى اللون البني؛ بني حتى اللون الأسود. ولا ينسون أبداً: العَلَمَان مُتعانقان. فلسطين ولبنان في خندقٍ واحد.

يصعد إليهم الموت الواحد بمجنزراتٍ حديدية، ويفتح الغزاة القادمون من الجنوب نوافذ الشمال.

يشربون المرطّبات الخفيفة، ويُغنّون في الليالي أغاني أخرى بلغاتٍ أخرى.

لا يعود «حصن بوفور» على اسمه، يصير الحصن «قلعة الشقيف»، ولرعاة بلدة أرنون أن يسمونه «قلعة أرنون».

على القلعة التي عاركت الزمن (والرّيح والمطر.. وجذور الأعشاب الشوكية) أن تتلقّى صفعات القذائف الحديدية، صفعات ثقيلة.

يتساقط الجنود الجدد في أماكن سقط فيها الفرسان القدامى. والصخرة ترى لون الدم فلا يسأل عن لون الدم.

والعشب يتذوّق ملح الدم فلا يُسأل عن جنسية القتيل الجديد، وعن راياته.. وعن أُغنياته، وعن مذاق الشاي بالميرمية، يشيب حديد فوارغ الطلقات أسرع مما يشيب صخر حجارة القلعة، التي تغتسل في الشتاء بالماء والثلج، الذي يفتّت فلزّ الحديد، كما يفتّت عظام القتلى.

قلعة يطيب فيها القتال، ويتمجّد فيها فعل الموت.. وتصغي حجارتها إلى سمر الليالي وأُمنيات الرجال المختلفة وأسرارهم الشخصية الحميمة قبل ساعاتٍ من طلوع الصبح، وطلوع الرّوح، عندما يبدأ الحديد والنار حواراً مع صخر القلعة ومع معدن الرجال.

صعد «بيغن» إلى القلعة، بوساطة طائرات الهيلوكبتر في مستهلّ حزيران الغزو الجديد 1982، ثم أمر الجنود بالزحف نحو الشمال، ولجدران القلعة، أن ترى ما ترى، ولتربتها أن ترتوي بما ترتوي، ولأعشابها وعد مع الربيع.. أيّاً كان الغزاة.

ما هي هذه «مساداة»؟ كذبة فاضحة أمام حقيقة «قلعة الشقيف». قلعة تؤرّخ النصر المؤقّت والهزيمة غير المؤقّتة.

يقولون: كانت «مساداة» كذبة كبيرة ولم ينتحر اليهود فيها، إنما كانوا لصوصاً وقُطّاع طرق طاردتهم جيوش إمبراطورية روما. أما قلعة الشقيف فقد رأت انهيار الانتصار إلى هزيمة؛ وصعود الهزيمة إلى أوّل انتصار عربي.

قلعة صارت رمزاً لتبدّل الريح وتبدّل الغزاة، وتستحقّ أخيراً أن تُعاد أسنانها إلى فمها، وجدرانها إلى جبهتها.. وأن تجري في ظلالها احتفالات انتصار أيار اللبناني بمشاركة عربية.

تستحق أن تصير متحفاً للذين ماتوا، وصوراً للذين اعتلوا صهوتها ثم سقطوا عنها، وفي أيار هذا العام أصغت حجارة القلعة إلى نغمٍ جديد: زغاريد النساء وأهازيج الرجال. اذهبوا إلى «قانا» واحزنوا على القتلى. اذهبوا إلى قلعة الشقيف وافرحوا. افتحوا نوافذ الجنوب للشمس والريح.. ولأغنيات جديدة. «ستّي الختيارة» تسمى قلعة الشقيف.. وضحكتها تغار منها الصبايا.

 

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك