نـمـوذج جـنـوب إفـريـقـيـا

نـمـوذج جـنـوب إفـريـقـيـا
عمرو الشوبكي
27 يناير 2024

أهمية ما قامت به جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية تكمن أولاً في انحيازها للأداة المدنية والقانونية لمواجهة إسرائيل، بصرف النظر عن قرار المحكمة وبصرف النظر عن كل جوانب الخلل والانحياز الفج الذي أصاب المؤسسات الدولية وخاصة مجلس الأمن، إلا أنها بهذه الخطوة فتحت طريقاً مهماً للضغط على إسرائيل وفضحها، وممارسة الضغوط الدولية والقانونية عليها وعدم تصور البعض أن تهديد حرية الملاحة في البحر الأحمر أو القول «اللعنة على اليهود» سيعني الانتصار على إسرائيل.

أما الجانب الثاني من أهمية هذه الخطوة فيكمن في أن جنوب إفريقيا دولة مدنية ديمقراطية تمتلك تاريخاً ملهماً في النضال ضد الفصل العنصري، وإنه رغم مشاكلها الاقتصادية والسياسية والأمنية، إلا أنها انحازت لقيمها ومبادئها وتاريخها، رغم أنها ليست طرفاً في هذا الصراع ولا يوجد لديها مواطنون يعيشون في غزة أو تضرروا من هذه الحرب، ولم تختر أن تفعل ما يفعله البعض بترديد الجملة البائسة «إحنا مالنا»، كما أنها ليست دولة يصنفها الغرب «مارقة» كما يفعل مع إيران، وليست متهمة بدعم الإرهاب أو إرهابية كما يفعل مع فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس، إنما هي دولة مندمجة في النظام العالمي وناضلت من أجل تغيير جوانبه السلبية وأهمها التاريخ الاستعماري، وإن كفاحها ضد نظام الفصل العنصري الذي دعمه الغرب وبريطانيا لفترة طويلة نجح في إسقاطه عبر نضال شعبي ومسلح دفع الغرب نفسه إلى مراجعة موقفه والتسليم بإرادة الشعب الجنوب إفريقي.

لقد امتلكت جنوب إفريقيا واحدة من التجارب الملهمة في تاريخ البشرية، وواجهت نظام الفصل العنصري الشبيه بقوة بالنظام الإسرائيلي بنضال سياسي ومدني على يد حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، لكن بعد القمع والحظر الذي تعرض له الحزب وإطلاق النار على المتظاهرين السلميين الرافضين لسياسة الفصل العنصري، أسس نلسون مانديلا في 1961 جناحاً عسكرياً لحركته السياسية سماه «رأس الحربة» وأصبح رئيساً له واعتُقل وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة ثم خرج في عام 1990 بعد 27 عاماً قضاها في الحبس، بكل ما مثله ذلك من رمزية نضالية عالمية، وأسقط نظام الفصل العنصري بالتسامح والمصالحة الوطنية مع الأقلية البيضاء، وأصبح أول رئيس من أصول إفريقية يحكم جنوب إفريقيا، وبقى لمدة واحدة من 1994 إلى 1999.

نموذج جنوب إفريقيا ملهم للفلسطينيين وللعالم، وإن اتهامها لإسرائيل بارتكاب جرائم إبادة سيكون تأثيره مضاعفاً عن تأثير أي دولة أخرى، خاصة أنها بلد تحرر بفضل نضال داخلي شعبي ومسلح، وأيضاً دعم شعبي دولي أثر بعد ذلك على الحكومات والنظم الغربية التي تخلت تباعاً عن دعم نظام الفصل العنصري حتى تحررت جنوب إفريقيا واستقلت وقضت على نظام الفصل العنصري، وهي رسالة مهمة لكل دول العالم.

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك