بعد 14 يوما من القصف المتواصل على قطاع غزة، تم إلقاء عشرات الآلاف من الأطنان من المتفجرات، ومن كل الأنواع والأصناف من المواد المدمرة، وما تحويه من مواد كيميائية قديمة وجديدة، معروفة أو غير معروفة، ومن كل الأنواع ومن ضمنها ما نشاهده على شاشات التلفاز من سحب الفسفور الأبيض الذي ينبعث متوهجا من بعض القنابل حين تنفجر، مشكلا أمواجا تتطاير في الجو وفي المحصلة تجد طريقها إلى الأرض حيث تترسب بقاياها في المياه والطعام والبشر في منطقة جغرافية تبلغ حوالى الـ 365 كيلومترا مربعا، وتعتبر الأكثر كثافة في العالم، وما لذلك من تدمير شامل وبعيد المدى للنظام البيئي في قطاع غزة.
والسحابة البيضاء التي نراها أو ما بات يعرف بالفسفور الأبيض، سامة للبشر وللنظام البيئي بأكمله، ولا يتواجد الفسفور الأبيض بشكل طبيعي في الطبيعة وإنما يتم تصنيعه بشكل كيميائي، حيث يمكن أن يبقى على حاله لسنوات عديدة في حال تواجده في التربة العميقة أو الرواسب التي تحتوي على كميات ضئيلة من الأكسجين، ويمكن للجسم امتصاص الفسفور الأبيض من خلال الاستنشاق أو الطعام أو الشراب أو التعرض المباشر، حيث يحرق الجلد والعيون ويؤثر الفسفور الأبيض على صحة الإنسان بشكل سريع أو بعيد المدى، ويدمر النظام البيئي الذي يتواجد فيه ولفترة طويلة.
ومع انقطاع المياه من مصادر خارجية، فإن وضع المياه في قطاع غزة يزداد سوءا، ومن ضمن التأثيرات البيئية المتوقعة وبعيدة المدى للحرب الحالية في قطاع غزة والذي من المتوقع أن يكون طويلا ويمتد لأسابيع أو اكثر، هو احتمالات تلوث المياه التي تم قطعها أو منعها عن غزة، ومعروف أن اكثر من 95% من المياه في بلادنا هي مياه جوفية، وقبل العدوان الحالي، أشارت تقارير إلى أن اكثر من 90% من المياه في قطاع غزة هي مياه ملوثة، ولا تصلح للاستخدام البشري حسب المعايير الدولية.
وتتلوث المياه في غزة بالمواد الكيميائية، سواء الناتجة من المياه العادمة، أو من المبيدات والأسمدة الكيميائية، أو من مشتقات البلاستيك والمواد الصناعية الأخرى، ومن ثم تتسرب من خلال التربة الرملية إلى مصادر المياه الجوفية، وبعد هذه الحرب يمكن تصور الكميات الكيميائية الإضافية الهائلة التي تم وسوف يتم إلقاؤها إلى التربة في كافة مناطق قطاع غزة، وبالتالي احتمالات وصولها إلى مصادر المياه، وزيادة الوضع سوءا بالمقارنة مع ما كان عليه قبل الحرب.
وشاهدنا من خلال الصور التي يتم بثها وبشكل مباشر، سحب الدخان الهائلة بما تحويه من مواد كيميائية سامة، والتي كانت تتصاعد إلى الهواء، ومن ثم احتمال تلويثه، وبالإضافة إلى ذلك فإن معظم بقايا المواد التي تم إلقاؤها على قطاع غزة تبقى في التربة أو على الأرض، وبالتالي تزيد من معضلة النفايات الصلبة وفي هذه الحالة النفايات الصلبة الكيميائية الخطيرة، وكذلك ومن خلال تراكمها في التربة تحد وبالتدريج من خصوبة هذه التربة وبالتالي تحد من قدرتها على إنتاج الطعام أو الزراعة فيها، ومن المحتمل كذلك أن تصل هذه المواد الكيميائية بشكل مباشر أو غير مباشر إلى الغذاء الذي سوف يتم استهلاكه من الناس وما إلى ذلك من آثار صحية، وبالأخص الآثار الصحية بعيدة المدى التي تظهر على شكل أمراض غير سارية أو مزمنة.
ومع تواصل إلقاء عشرات الأطنان من المواد الكيميائية على قطاع غزة، فإن التداعيات البيئية سوف تكون كارثية، مع العلم أن الوضع البيئي في قطاع غزة قبل بدء الحرب الأخيرة، كان من السهولة وصفه بالوضع المتردي أو غير الصالح للحياة، وبالتالي يمكن تصور التداعيات البيئية القاتمة بعد وصول ملايين الكيلوغرامات من المواد الكيميائية إلى النظام البيئي في قطاع غزة خلال هذه الأيام، ولذا فإن المطلوب اعتبار تقييم الأوضاع البيئية في قطاع غزة بعد انقشاع غبار القصف والعدوان من الأولويات، وبالتحديد تقييم الآثار البيئية والصحية بعيدة المدى المتوقعة بسبب هذا العدوان الذي من الواضح هذه الأيام انه يهدف إلى تدمير النظام البيئي في قطاع غزة بشكل كامل.
- صحيفة الأيام
- ي.ك

