الصمتُ بعد اليوم عار

الصمتُ بعد اليوم عار
الأسير عبد العظيم عبد الحق
12 يوليو 2023

فرق  كبير بين من يبحث عن مصلحة شعبه، ومن يبحث عن مصلحته الشعبية، وأمام ما نعيشه من إرهاب وعربدة يمارسها جيش الاحتلال الإسرائيلي، والعصابات الصهيونية، تجد الواحد منا حائراً في أسلوب مقاومة هذا الإرهاب. إن مقاومة الاحتلال بالتأكيد أمرٌ لا نقاش ولا جدال ولا حيرة فيه، فالمقاومة قناعة راسخة وثابتة، وفقط تظل الحيرة ويظل النقاش يدور حول أسلوب هذه المقاومة. هل نمارس أسلوب الكفاح المسلح؟ أو أسلوب المقاومة السلمية؟ فحركة فتح، ومن خلال أعلى مؤسساتها قررت أسلوب المقاومة السلمية، لكن الكثير من أبنائها مع عناصر من حماس والجهاد الإسلامي والشعبية وغيرها، قرروا أسلوب الكفاح المسلح.

لقد أحدث النقاش والجدال بين الفريقين حول أسلوب المقاومة، ضرراً بمصلحة الشعب الوطنية. لا يمكن وصف ذلك النقاش بالموضوعي الهادف إلى التوصل لنتائج مفيدة، بل هو نقاش افتعل بهدف مزايدة الأطراف على بعضها، فالطرف المنادي بالكفاح المسلح، صار يخوّن السلطة وأجهزتها الأمنية، لأنها لا ترغب حالياً باستخدام السلاح ضد جيش الإرهاب الإسرائيلي. إننا أمام ذلك نجد أنفسنا غاضبين في حضرة الدم الذي ينزف مرة في القدس، وأخرى في جنين ونابلس، ومرة في غزة، ومرات على التوالي في كافة أرجاء الوطن الفلسطيني، ونجد أنفسنا أيضاً صامتين احتراماً وتقديساّ لدمائنا النازفة، دون أن نفكر مرة بتقييم المرحلة، وتقويمها، بروية وموضوعية.

يتضح للعيان أنه في كل مرة يمارس كيان الاحتلال الإرهاب والجرائم في مدينة من المدن الفلسطينية، وبعد انسحابه، يخرج البعض في مسيرات تشتم السلطة، وتسبها، وتتهمها بالخيانة، لأنها لم تخرج بسلاحها لتدافع عن شعبها، لكن ألم تمارس هذه السلطة بكافة أجهزتها الأمنية الكفاح المسلح قبل غيرها طوال أعوام 2001-2004؟ ماذا كانت النتيجة؟ ألم يستخدم الاحتلال الإسرائيلي طائراته الحربية ضد الشعب الفلسطيني بمباركة دولية؟ ألم يجتاح كافة المدن الفلسطينية فيما أطلق عليه عملية “السور الواقي”؟ ألم يهدم مقرات السلطة والبلدة القديمة في نابلس، وسوّى مخيم جنين الباسل في الأرض؟

ثم ماذا عن الشهيد الخالد ياسر عرفات؟ ألم يحاصره الاحتلال ومنع عنه الماء والهواء والدواء حتى قتلوه؟ ألسنا نحن من أجبرنا عرفات على تحمل ما لا طاقة له به؟ ألسنا من استخدمنا الكفاح المسلح على أكثر مما أراده عرفات، حتى إذا ما عجزت بنادقنا عن مواجهة ترسانة الاحتلال، رجعنا نطالبه بالسلاح المناسب لمواجهة المركڤاة والطائرات الحربية؟ لكن من أين لعرفات أن يأتي بالسلاح وهو في بطن الاحتلال، فهو لم يكن على جبهة الأردن، أو لبنان، ولم يكن له حلفاً وظهراً آمناً، فعدوه من خلفه ومن أمامه وعن يمينه وعن يساره. لقد دفعه ذلك الأمر لمحاولة جلب السلاح عن طريق البحر، دون جدوى، فضبط الاحتلال سفينة “كارين إيه”، ليمعن في عزل عرفات وحصاره، دون أن يجرؤ رئيس عربي على التحدث معه عبر الهاتف.

لقد مارست السلطة الوطنية الكفاح المسلح، وتصدرته سابقاً، لكنها لم تفلح، فهل يمكن الاعتقاد اليوم أن السلطة لو نزلت مرة أخرى بكافة ما تمتلكه من أسلحة، ستفلح بحماية الشعب الفلسطيني من إرهاب الاحتلال الإسرائيلي؟ هل يمكن للسلطة منع جيش الاحتلال من دخول مناطقنا وما ينطوي عليه من استهداف لحياة المواطنين، وحرياتهم؟

ثمة رأيان يقرران ما يجب على رئيس الشعب اتخاذه أمام إجرام الاحتلال. يرى رأي أن يبحث الرئيس عن مصلحته الشعبية، فيخطب في جنود السلطة قائلاً “في سبيل الله قمنا. نبتغي رفع اللواء، فليعد للدين مجده، أو تُرق منا الدماء”. حينها سيصفق له الكثير، ويهتفون باسمه، فتحدث مواجهة مسلحة ستسفر عن سحق السلطة وفصائل المقاومة معها، مثلما حدث عام 2002. يرى رأي آخر أن يستمر للرئيس في البحث عن مصلحة شعبه، دون الانجرار إلى اشتباك مسلح مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، وحينها سيحرم الاحتلال من الورقة التي يتفوق بها علينا، وهي ورقة استخدام القوة المفرطة، ووقتها سيخسر الرئيس مصلحته الشعبية، ومؤكد أنه ستدور وراءه أصوات تشتم وتسب وتخون.

إن الصمتَ بعد اليوم عار. لن نكذب على أنفسنا في النقاش حول كفاح مسلح أو مقاومة سلمية، فكلنا نعلم موضوعياً أن المقاومة السلمية هي الأنجح، والأنسب، والأفضل، ضمن موازين القوى الراهنة. ليكن النقاش إذاً حول هشاشة المقاومة السلمية، وكيف نجعل هذه المقاومة ثقافة مجتمعية، ووعياً حضارياً راسخاً في مواجهة هذه الهمجية والنازية الصهيونية.

  • صحيفة القدس
  • ي.ك