بـسـتـان رأفـت

بـسـتـان رأفـت
زياد خدّاش
20 يونيو 2023

لا أحد يعرف رأفت صاحب أجمل ابتسامة مثلي؟ لا أحد أحبَّه كما أحببتُه، في أوائل الثمانينيات، من إحدى نوافذ قاعة من قاعات كلية الآداب كنت أستمع إلى محاضرة الدكتور أمين أبو الليل، وصوت معول رأفت وهو يحفر بخفّة شعرية مذهلة في تراب بستان. قرب البستان، كان هناك مقعد خشبي، كنت أجلس عليه أشرب القهوة بصحبة رأفت،..

– أتحبُّ الورد يا رأفت؟؟

– لا ، لكني مضطر لأن أحبه حتى أحافظ على أخي.

– لم أفهم.

– أخي طالب في هذه الجامعة، ضرير لكنه ذكي جداً ويحب العلم.

وعبر «واسطة» وهو قريب لأبي الضرير أيضاً، استطعت أن أدبّر عملاً في الجامعة؛ لأظل قريباً من أخي، أحضره صباحاً وأعيده إلى البيت مساء، وفي الظهيرات نتغدى مع بعضنا في كافتيريات الجامعة.

– ولماذا لم تكمل تعليمك يا رأفت؟

– كان ذلك صعباً على والدي الذي خيّرنا: أستطيع أن أعلم واحداً فقط، فسامحاني، على أحدكم أن يتنازل للآخر، فتنازلت لأخي الذي حاول أن يتنازل لي فلم أقبل.

في المحاضرة التالية كنت أجلس مرتفقاً نافذة قاعة المحاضرة، متجاهلاً صوت المحاضر، وغارقاً في ضربات معول رأفت الشعرية تحتي وهو يمهّد الطريق لورد حياة حلوة قادمة.

لا أحد أحبَّ رأفت كما أحببتُه.

كلما زرتُ جامعة بيرزيت أسرع إلى البستان بورده الكثير الممتد فوق السور، وأهمس: صباح الخير يا رأفت.

تبتسم طالبات يجلسن على المقعد الخشبي، وأسمعهن ينادين على بنات أخريات يجلسن تحت شجرة:

انظرن انظرن: هناك عجوز يكلّم بستاناً؟!

  • صحيفة الأيام
  • ي.ك